Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
وبقوله: { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } [فصلت: 45] يشير إلى أن الإلهامات الربانية التي يلهم بها موسى الروح، فاختلف فيها فالقلب يؤمر بها، والنفس تكفر بها ولا تعمل بها { ولولا كلمة سبقت من ربك } [فصلت: 45] في تأخير عذاب النفس بتكاليف الشريعة ومخالفة هواها إلى أجل مسمى، وهو حد البلوغ { لقضي بينهم } [فصلت: 45] بتزكية النفس بأحكام الشرع { وإنهم } [فصلت: 45]؛ يعني: النفوس وصفاتها { لفي شك منه مريب } [فصلت: 45]؛ يعني: من إلهامات الحق، هل هي من الله أم لا؟ { من عمل صلحا } [فصلت: 46] في تزكية نفسه { فلنفسه } [فصلت: 46]؛ لأن فلاحها في صلاحها بالتزكية { ومن أسآء } [فصلت: 46] بمخالفات الشريعة { فعليها } [فصلت: 46]؛ أي: فعليها راجعة إساءتها؛ لأنها تقاسي ضرها وتلافي شرها، { وما ربك بظلم للعبيد } [فصلت: 46] بل هم يظلمون على أنفسهم بالإساءة.
[41.47-50]
وبقوله: { إليه يرد علم الساعة } [فصلت: 47] يشير إلى علم جزاء أعمال العباد يوم القيامة، فإنه لا يعلمه إلا هو؛ لأنه { وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } [فصلت: 47]؛ أي: لا تخرج من ثمرة عمل من أعمال العباد من أحكام التقدير الإلهي، ولا تحمل أنثى نفس بحمل صفة من صفاتها، ولا تضع من عمل هو من نتائج تلك الصفة إلا بعلمه وتقديره الأزلي، { ويوم يناديهم أين شركآئي } [فصلت: 47]؛ يعني: الذين كانوا يرون أنهم يخلقوا أفعالهم وأعمالهم { قالوا آذناك ما منا من شهيد } [فصلت: 47] يشهد أنه خالق فعله، وكوشفوا بأنه لا خالق إلا الله ولا وجود في الحقيقة إلا الله، { وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل } [فصلت: 48] له وجود { وظنوا } [فصلت: 48] وأيقنوا { ما لهم من محيص } [فصلت: 48] مهرب إلا الله عند قيام الساعة بتجلي صفة القهارية.
ثم أخبر عن اللوم الإنساني والكرم الرباني بقوله تعالى: { لا يسأم الإنسان من دعآء الخير } [فصلت: 49] يشير إلى أن الإنسان مجبول على طلب الخير بحيث لا تتطرق إليه الساعة، فبهذه الخصلة بلغ من بلغ رتبة خير البرية، وبها بلغ من بلغ دركة شر البرية وذلك؛ لأنه لما خلق لحمل الأمانة التي أشفق منها البرية
فأبين أن يحملنها
[الأحزاب: 72]، وهي عبارة عن الفيض الإلهي بلا واسطة وذلك فيض لا نهاية له، فلحملها احتاج الإنسان إلى طلب غير متناه، فصرف بعضهم هذا الطلب في قبول الفيض الإلهي وأعرض عن غيره متأخر البرية، ومن صرف هذا الطلب في تحصيل الدنيا وزينتها وشهواتها واستيفاء لذاتها فما شئتم من الطلب، وصار شر البرية، { وإن مسه الشر } [فصلت: 49] وهو فطامه عن مألوفات نفسه وهواه { فيئوس قنوط } [فصلت: 49] لا يرجو زوال البلايا والمحن لعدم علمه بربه وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إلى الله؛ ليدفع عنه ذلك، { ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضرآء مسته } [فصلت: 50]؛ أي: لئن كشفنا عنه البلاء وأوحينا إليه الرضاء لدعاه استحقاقا واتفاقا، ولا يعتقد ذلك هنا فضلا وإنعاما؛ لأنه محجوب بأنانيته عن هويتنا؛ بل يرى ذلك من جلادته وكفايته أو من طالعه وجده { ليقولن هذا لي } [فصلت: 50] من حسن استعدادي وسعادة طالعي.
وبقوله: { ومآ أظن الساعة قآئمة ولئن رجعت إلى ربي } [فصلت: 50] بالحشر والنشر { إن لي عنده للحسنى } [فصلت: 50] بحسب قسمي وسعد طالعي، { فلننبئن الذين كفروا بما عملوا } [فصلت: 50]؛ أي: فلينجزينهم بجزاء ما عملوا { ولنذيقنهم من عذاب غليظ } [فصلت: 50] وهو عذاب الطرد والبعد، وإفساد استعداد الروح لقبول الفيض وحرمة حرمانه، وقد كان معذبا بهذا العذاب ولكنه لم يجد ذوق العذاب وألمه، فلنذيقنه الآن بعد انتباهه من نومة غفلته.
[41.51-54]
{ وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه } [فصلت: 51]؛ لأنه إذا خليناه إلى طبيعة الإنسانية وهي الظلومية الجهولية لا يميز بين البلاء والعطاء، فكثير مما يتوهمه عطاء هو مكر واستدراج وهو يستديمه، وكثير مما هو فضل ونعمة وصرف عطاء وهو يظنه بلاء فيعافه ويكرهه؛ بل إذا أنعمنا عليه صاحبه بالبطر، وإذا أبليناه قابله بالضجر؛ بل وإذا أنعمنا عليه عجب بنفسه فتكبر مختالا في زهوة لا يشكر ربه ولا يذكر فضله، ويشتغل بالنعمة عن المنعم ويتباعد عن نشاط طاعة، وكالمستغني عنا يهيم على وجهه، { وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض } [فصلت: 51] وتضرع شديد بالاظطرار بخصوصية الجوهر الإنسانية فإن له إلى ربه الرجعى عند الاضطرار لحاجته الأصلية الكلية اليد.
وبقوله: { قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد } [فصلت: 52] يشير إلى أن كل بلاء وعناء، ونعمة ورحمة، ومهانة ومسرة تنزل بالعبد، فهو من عند الله فإن استقبله بالتسليم والرضاء صابرا شاكرا للمولى في الشدة والرخاء والسراء والضراء، فهو من المهتدين المقربين، وإن استقبله بالكفران والجزاع بالخذلان فهو من الأشقياء والمبعدين المضلين، وبقوله: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } [فصلت: 53] يشير إلى معان كثيرة منها: أن الخلق لا يرون آياتنا إلا بإراءة الله إياهم.
Page inconnue