Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
أحدهما: أن نفس القرآن آية لأنه لا يمكنهم معارضته ولا الإتيان شيء من مثله.
والثاني: أن تيسير قراءة مثل هذا القرآن لا من غير كاتب وقارئ وإنزاله عليه وحفظ أدبه وأحواله وجزالة بيانه آية واضحة وعليها دلائل لائحة وفي قوله تعالى: { قل إنما الآيات عند الله } [العنكبوت: 50] أي: من عند الله والقرآن آية نزلت من عند الله وقوله: { وإنمآ أنا نذير مبين } [العنكبوت: 50] أي: صدور الإنذار والتبشير على وجه الرسالة من مثلي وأنا أمي آية صادرة من عند الله وسراج منير ذلك لا يبصره إلا عيون قلوب منزهة عن عمى الكفر والشرك وسبل حب الدنيا سورة بنور الإيمان مختصرة بالرحمة الخاصة متذكرة بواعظ الله، وذلك تحقيق قوله: { أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } [العنكبوت: 51] { قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا } [العنكبوت: 52] أي: مشاهدا إلى أنه من آياته كما كان ابن مريم وأمه آية والقرآن آية وأنهم عمي لا يبصرون الآيات.
{ يعلم ما في السموت والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله } [العنكبوت: 52] إنما آمنوا بالباطل لأنهم عموا بعين القلب لم يروا الحق والآيات
ولهم أعين لا يبصرون بها
[الأعراف: 179]، فلم يؤمنوا بها وأبصروا بعين النفس فرأوا الباطل وآمنوا به وكفروا بالحق، فإن في عمى القلب بصارة النفس وفي عمى النفس بصارة القلب، وفي بصارته سعادة الدارين وفي عماه خسارة الدارين، فالعميان بعيون القلب، والأبصار بعيون النفس { أولئك هم الخاسرون } [العنكبوت: 52].
[29.53-57]
ثم أخبر عن أمارة خسارتهم بقوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب } [العنكبوت: 53] يشير إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بالاستعجال بالعذاب يعني من استعجل بالعذاب ولا يصبر على العاقبة لجعل خلق منه، وهو مركوز في جبلته فكيف يصبر على السراء والضراء لو لم يصبره الله تعالى كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127]، وبقوله: { ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب } [العنكبوت: 53] يشير إلى أن الإرادة القديمة بالحكمة القديمة سميت لكل مقدور وكائن آجلا في تعلق القدرة به فلا تقدم له ولا تأخر عن المضروب المسمى، وفيه إشارة أخرى أن الاستعجال في طلب العذاب في غير وقته المقدر لا ينفع وهو مذموم كيف ينفع الاستعجال في طلب مرادات النفس وشهواتها في غير أوانها وكيف لم يكن مذموما { وليأتينهم } ما استعجلوا به في وقت المقدر: { بغتة وهم لا يشعرون } لأن لهم فيه خيرا أو شرا.
وبقوله: { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } [العنكبوت: 54] يشير إلى أن استعجال العذاب لأهل العذاب وهو نفس الكافر واقع لا حاجة إليه بالاستدعاء؛ لأن جهنم الحرص والشره والشهوة والكبر والحسد والغضب والحقد { لمحيطة بالكافرين } [العنكبوت: 54] أي: بنفس الكافرين أو بالنفوس الكافرة، والآن ينعقد الوقت { يوم يغشاهم العذاب } [العنكبوت: 55] بإحاطة هذه الصفات { من فوقهم } الكبر والغضب والحسد والحقد { ومن تحت أرجلهم } الحرص والشره والشهوة، ولكنهم بنوم الغفلة قائمون ليس لهم خبر عن رزق العذاب كالنائم لا شعورا له بما يجري على صورتها؛ لأنه نائم بالصورة فإذا انتبه يجد ذوق ما يجري عليه من العذاب.
Page inconnue