Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
تكاد السموت يتفطرن منه
[مريم: 90] أي: قربت لانفطار فلم تنفطر، وإذا دخل فيها لا الجحود دوما النفي يكون لوقوع الفعل كقوله تعالى:
فذبحوها وما كادوا يفعلون
[البقرة: 71] أي: قرب ألا يذبحوها فذبحوها، وكذلك قوله: { لا يكادون يفقهون قولا } [الكهف: 93] أي: قرب ألا يفقهون قولا يلين به قلب ذي القرنين؛ ليجعل لهم السد ففقهوا بإلهام الحق تعالى: { قالوا يذا القرنين } [الكهف: 94] والذي يدل على هذا قوله تعالى: { قال ما مكني فيه ربي خير } [الكهف: 95] أي: أعطاني الله من التمكين في قبول الخير والعمل به خير من تجرد قولكم.
{ فأعينوني بقوة } [الكهف: 95] من ترتيب الآلات لا بالقول، { أجعل بينكم وبينهم ردما } [الكهف: 95] ففسر القوة بقوله: { آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا * فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا } [الكهف: 96-97].
وفي قوله: { قال هذا رحمة من ربي فإذا جآء وعد ربي جعله دكآء وكان وعد ربي حقا } [الكهف: 98] دلالة على نبوته، فإنه أخبر عن وعد الحق تعالى، وتحقق وعده وهذا من شأن الأنبياء وإعجازهم، والله أعلم.
ثم اعلم أن الله تعالى من كمال حكمته وقدرته جعل لوجود كل شيء سببا من أسباب السماوات والأرض، ولبلوغ كل أحد إلى مقام من مقامات الدنيا والآخرة، وإلى قربة من قربات الحضرة سببا مناسبا له، فإذا أراد بلوغ أحد إلى مقام أو قربة يؤتيه سبب ذلك، ويوفقه لإتباع ذلك السبب، فكما أتى لذي القرنين
من كل شيء سببا
[الكهف: 84] ووفقه لاتباع الأسباب فاتبع سببا حتى بلغ به مشرق الأرض ومغربها وجوانبها كلها، وسخر الخلق ويسر الملك، حصلت المقاصد بإتباع أسبابها.
كذلك أتى لكل رسول ونبي وولي ومؤمن ومسلم وفاسق ومنافق وكافر أسباب بلوغه إلى الرسالة والنبوة والولاية والإيمان والإسلام والفسق والنفاق والكفر، ووفقه لإتباع الأسباب حتى يبلغ مقام من القربة والجنة والنار، فكل الخلق قد بلغوا بإتباع الأسباب التي أتاهم الله تعالى إلى مقاماتهم ودرجاتهم ودركاتهم، وأقام كل واحد منهم في مقامه ومنزله إلا نبينا حبيب الله صلى الله عليه وسلم، فإنه أعطي أسباب العبور من المقامات كلها من البراق وجبريل والرفرف وغيره حتى بلغ إلى مقام قاب قوسين، ثم انقطعت عنه أسباب السماوات والأرض فبقي بلا سبب من المخلوقات، وهو من مقام نهاية المخلوقات فمسبب الأسباب، فسبحانه وتعالى من عظم فضله عليه كان سببا به حتى بعثه إلى مقام لا مقامية بفضله وكرمه بلا واسطة، وهو المقام المحمود الذي قال تعالى:
Page inconnue