135

Tafsir al-Mizan

تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي

Genres

Tafsir

قوله تعالى: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، دفع لما يسبق إلى الوهم أنهم بذلك يفسدون أمر الصنع والتكوين ويسبقون تقدير الله ويبطلون أمره فدفعه بأن السحر نفسه من القدر لا يؤثر إلا بإذن الله فما هم بمعجزين، وإنما قدم هذه الجملة على قوله: ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، لأن هذه الجملة أعني: ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وحدها مشتملة على ذكر التأثير، فأردفت بأن هذا التأثير بإذن الله.

قوله تعالى: ولقد علموا لمن اشتريه ما له في الآخرة من خلاق، علموا ذلك بعقولهم لأن العقل لا يرتاب في أن السحر أشأم منابع الفساد في الاجتماع الإنساني وعلموا ذلك أيضا من قول موسى فإنه القائل: "ولا يفلح الساحر حيث أتى": طه - 69.

قوله تعالى: ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون، أي إنهم مع كونهم عالمين بكونه شرا لهم مفسدا لآخرتهم غير عالمين بذلك حيث لم يعملوا بما علموا فإن العلم إذا لم يهد حامله إلى مستقيم الصراط كان ضلالا وجهلا لا علما، قال تعالى: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم": الجاثية - 23.

فهؤلاء مع علمهم بالأمر ينبغي أن يتمنى المتمني لهم العلم والهداية.

قوله تعالى: ولو أنهم آمنوا واتقوا، إلخ أي اتبعوا الإيمان والتقوى، بدل اتباع أساطير الشياطين، والكفر بالسحر، وفيه دليل على أن الكفر بالسحر كفر في مرتبة العمل كترك الزكاة، لا كفر في مرتبة الاعتقاد، ولو كان السحر كفرا في الاعتقاد لقال تعالى: ولو أنهم آمنوا لمثوبة، إلخ، واقتصر على الإيمان ولم يذكر التقوى فاليهود آمنوا ولكن لما لم يتقوا ولم يرعوا محارم الله، لم يعبأ بإيمانهم فكانوا كافرين.

قوله تعالى: لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون، أي من المثوبات والمنافع التي يرومونها بالسحر ويقتنونها بالكفر هذا.

بحث روائي

في تفسير العياشي، والقمي،: في قوله تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان عن الباقر (عليه السلام) في حديث: فلما هلك سليمان وضع إبليس السحر وكتبه في كتاب ثم طواه وكتب على ظهره، هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم من أراد كذا وكذا فليعمل كذا وكذا ثم دفنه تحت سريره ثم استتاره لهم فقرأه فقال الكافرون: ما كان يغلبنا سليمان إلا بهذا، وقال المؤمنون: بل هو عبد الله ونبيه، فقال الله جل ذكره: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان.

أقول: إسناد الوضع والكتابة والقراءة إلى إبليس لا ينافي استنادها إلى سائر الشياطين من الجن والإنس لانتهاء الشر كله إليه وانتشاره منه لعنه الله، إلى أوليائه بالوحي والوسوسة وذلك شائع في لسان الأخبار.

وظاهر الحديث أن كلمة تتلوه من التلاوة بمعنى القراءة وهذا لا ينافي ما استظهرناه في البيان السابق: أن تتلو بمعنى يكذب لأن إفادة معنى الكذب من جهة التضمين أو ما يشبهه، وتقدير قوله: تتلوا الشياطين على ملك سليمان يقرءونه كاذبين على ملك سليمان والأصل في معنى تلا يتلو رجوعه إلى معنى ولى يلي ولاية وهو أن يملك الشيء من حيث الترتيب ووقوع جزء منه عقيب جزء آخر، وسيأتي الكلام فيه في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله": المائدة - 58.

Page 136