134

Tafsir al-Mizan

تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي

Genres

Tafsir

وهذا لعمر الله من عجائب نظم القرآن تتردد الآية بين مذاهب واحتمالات تدهش العقول وتحير الألباب، والكلام بعد متك على أريكة حسنة متجمل في أجمل جماله متحل بحلي بلاغته وفصاحته وسيمر بك نظيرة هذه الآية وهي قوله تعالى: "أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة": هود - 17.

والذي ينبغي أن يقال: أن الآية بسياقها تتعرض لشأن آخر من شئون اليهود وهو تداول السحر بينهم، وأنهم كانوا يستندون في أصله إلى قصة معروفة أو قصتين معروفتين عندهم فيها ذكر من أمر سليمان النبي والملكين ببابل هاروت وماروت، فالكلام معطوف على ما عندهم من القصة التي يزعمونها إلا أن اليهود كما يذكره عنهم القرآن أهل تحريف وتغيير في المعارف والحقائق فلا يؤمنون ولا يؤمن من أمرهم أن يأتوا بالقصص التاريخية محرفة مغيرة على ما هو دأبهم في المعارف يميلون كل حين إلى ما يناسبه من منافعهم في القول والفعل وفيما يلوح من مطاوي جمل الآية كفاية، وكيف كان فيلوح من الآية أن اليهود كانوا يتناولون بينهم السحر ينسبونه إلى سليمان زعما منهم أن سليمان (عليه السلام) إنما ملك الملك وسخر الجن والإنس والوحش والطير، وأتى بغرائب الأمور وخوارقها بالسحر الذي هو بعض ما في أيديهم، وينسبون بعضه الآخر إلى الملكين ببابل هاروت وماروت فرد عليهم القرآن بأن سليمان (عليه السلام) لم يكن يعمل بالسحر، كيف والسحر كفر بالله وتصرف في الكون على خلاف ما وضع الله العادة عليه وأظهره على خيال الموجودات الحية وحواسها؟ ولم يكفر سليمان (عليه السلام) وهو نبي معصوم، وهو قوله تعالى: "وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر" وقوله تعالى: "ولقد علموا لمن اشتريه ما له في الآخرة من خلاق" فسليمان (عليه السلام) أعلى كعبا وأقدس ساحة من أن ينسب إليه السحر والكفر وقد استعظم الله قدره في مواضع من كلامه في عدة من السور المكية النازلة قبل هذه السورة كسورة الأنعام والأنبياء والنمل وسورة ص وفيها أنه كان عبدا صالحا ونبيا مرسلا آتاه الله العلم والحكمة ووهب له من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده فلم يكن بساحر بل هو من القصص الخرافية والأساطير التي وضعتها الشياطين وتلوها وقرءوها على أوليائهم من الإنس وكفروا بإضلالهم الناس بتعليم السحر.

ورد عليهم القرآن في الملكين ببال هاروت وماروت بأنه وإن أنزل عليهما ذلك ولا ضير في ذلك لأنه فتنة وامتحان إلهي كما ألهم قلوب بني آدم وجوه الشر والفساد فتنة وامتحانا وهو من القدر، فهما وإن أنزل عليهما السحر إلا أنهما ما كانا يعلمان من أحد إلا ويقولان له إنما نحن فتنة فلا تكفر باستعمال ما تتعلمه من السحر في غير مورده كإبطال السحر والكشف عن بغي أهله وهم مع ذلك يتعلمون منهما ما يفسدون به أصلح ما وضعه الله في الطبيعة والعادة، فيفرقون به بين المرء وزوجه ابتغاء للشر والفساد ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، فقوله تعالى: واتبعوا أي اتبعت اليهود الذين بعد عهد سليمان بتوارث الخلف عن السلف ما تتلوا، أي تضع وتكذب الشياطين من الجن على ملك سليمان والدليل على أن تتلوا بمعنى تكذب تعديه بعلى وعلى أن الشياطين هم الجن كون هؤلاء تحت تسخير سليمان ومعذبين بعذابه، وبذلك كان (عليه السلام) يحبسهم عن الإفساد، قال تعالى: "ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين": الأنبياء - 82، وقال تعالى: "فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين": سبأ - 14.

قوله تعالى: وما كفر سليمان، أي والحال أن سليمان لم يسحر حتى يكفر ولكن الشياطين كفروا، والحال أنهم يضلون الناس ويعلمونهم السحر.

قوله تعالى: وما أنزل، أي واتبعت اليهود ما أنزل بالإخطار والإلهام على الملكين ببابل هاروت وماروت، والحال أنهما ما يعلمان السحر من أحد حتى يحذراه العمل به ويقولا إنما نحن فتنة لكم وامتحان تمتحنون بنا بما نعلمكم فلا تكفر باستعماله.

قوله تعالى: فيتعلمون منهما، أي من الملكين وهما هاروت وماروت، ما يفرقون به أي سحرا يفرقون بعمله وتأثيره بين المرء وزوجه.

Page 135