194

Tafsir al-Uthaymeen: An-Naml

تفسير العثيمين: النمل

Maison d'édition

مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

Numéro d'édition

الأولى

Année de publication

١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م

Lieu d'édition

المملكة العربية السعودية

Genres

قوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ اللام مُوَطِّئَة لِلْقَسَمِ، والنون للتوكيد، فعلى هَذَا فالجملة مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكِّداتٍ: القسم، واللام، والنون، ثُمَّ فيها منَ التعظيمِ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾، ولم يقل: (فلآتينهم)؛ لِأَنَّ هَذَا أبلغُ فِي الهَيبةِ، سواء أراد تعظيم نفسه، أو أراد بذلك آتيهم بجنودي.
وقوله: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ فِيهِ استصغارُ هَؤُلَاءِ الجماعةِ الَّذِينَ أَرسَلُوا بهَذِهِ الهديَّة، فاستصغرهم منَ الناحيةِ الماليَّة فِي قولِه: (ما آتاني اللهُ خيرٌ مما آتاكم)، ومن الناحيةِ العسكريَّة فِي قولِهِ: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ لا طاقة لهم بها؛ لِأَنَّ عنده من الجنودِ الجنّ والإنس، بل والطير أيضًا، فما لهم طاقة بهَذَا الشَّيْء.
قوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾ فنَحْتَلّ بلادهم ونُخْرِجهم مِنْهَا أذلَّة ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الفرق بين الأذِلَّة والصَّغار: الأذلة: الذُّلّ فِي النفسِ، والصَّغار: فِي البَدَنِ، يَعْنِي يَكُون مُسْتَسْلِمًا ظاهرًا وباطنًا، مستسلمًا ظاهرًا بالصغارِ، ومستسلمًا باطنًا بالذلِّ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، فالخشوعُ بمعنى الصَّغار، والذلُّ هُوَ ذلُّ النفسِ والعياذ باللهِ، وهَذَا دليلٌ عَلَى أن سُلَيْمَان ﵊ عنده من قوَّة العزيمةِ، وقوة السلطانِ ما استطاعَ أن يُعَبِّر بهَذَا التعبيِر لهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْدَوْا له بهَذِهِ الهديَّة.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيفَ يَلِيق بسُلَيمان ﵊ أن يقابلَ جماعةً أَهْدَوْا إليه هديةً بهَذَا الأسلوبِ العنيفِ، لماذا لم يُجِبْ بأسلوبٍ لطيف؟
الجواب عن هذا: أَنَّهُ ﵊ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لهم قوَّتَه، وَأَنَّهُ لا يَهْتَمّ بشأنِهِم، ثُمَّ إن اختبارهم له مَعَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، يَدُلُّ عَلَى شكٍّ فِي دعوتِه، هُوَ دعاهم إِلَى الإِسْلامِ، وهم شَكُّوا فِي ذلك بإرسالِ الهديَّة،

1 / 198