Tafsir
تفسير الجيلاني
ومن شدة الهول ونهاية الفزع { قلوب يومئذ واجفة } [النازعات: 8] قلقة حائرة، شديدة الاضطراب.
{ أبصارها } أي: أبصار أصحاب القلوب حينئذ { خاشعة } [النازعات: 9] شاخصة ذليلة من شدة الخوف والهول، مع أن هؤلاء الشاخصين الواجفين كانوا { يقولون أإنا } في النشأة الأولى حين أخبرهم الرسل بالبعث والحشر على سبيل الاستبعاد والإنكار { لمردودون في الحافرة } [النازعات: 10] أي: إلى الحالة التي كنا عليها؛ يعني: أنبعث أحياء كما كنا من قبل؟!
ثم يزيدون الإنكار على الإنكار بقولهم: { أإذا كنا عظاما نخرة } [النازعات: 11] بالية رميمة، نبعث ونحيا؟! كلا وحاشا، من أين يتأتى لنا هذا؟!
وبعدما استبعدوا واستكبروا بما استنكروا { قالوا } منهمكين ومستهزئين: { تلك } الحالة المفروضة لو وقعت، ورددنا إلى الحياة بعد الموت، كما زعم هؤلاء المدعون؛ يعنون: الرسل، يحصل لنا { إذا كرة } عودة ورجعة { خاسرة } [النازعات: 12] ذا خسران وخذلان؛ لأننا كنا نكذب بها، ولا نصدق من أخبر بها، وبعدما وقعت كنا خاسرين خسرانا عظيما.
وبعدما تقاولوا من بطرهم وخيلائهم ما تقاولوا، قيل لهم من قبل الحق، مقرعا على استماع استعداداتهم: لا تستبعدوا أمر الساعة، ولا تستصعبوها { فإنما هي } أي: أمر الساعة وقيامها عند كمال قدرتنا الغالبة القاهرة { زجرة واحدة } [النازعات: 13] أي: نفخة واحدة، ينفخ في الصور بأمرنا وحكمنا.
فإذا نفخت النفخة الثانية { فإذا هم بالساهرة } [النازعات: 14] أي: فوجئ بنو آدم بأجمعهم فصاروا أحياء على وجه الأرض، كما كانوا عليها في النشأة الأولى من الهيئات والأشكال، والهياكل والهويات.
[79.15-26]
ثم أشار سبحانه إلى تسلية حبيبه صلى الله عليه وسلم، وحثه على الاصطبار بأذيات أصحاب التكذيب والاستكبار فقال: { هل أتاك حديث موسى } [النازعات: 15] يعني: بما اضطربت بتكذيب قومك، وإنكارهم عليك، وإعراضهم عن هدايتك وإرشادك يا أكمل الرسل، أليس قد أتيتك حديث أخيك موسى الكليم؛ حتى يسليك ويزيح كربك، ويرشدك إلى الصبر والثبات مثل أخيك؛ حتى تظفر على أعدائك مثله.
وذلك وقت { إذ ناداه ربه } بلا وسيلة الملك، وسفارة السفير؛ إذ هو حينئذ من إفراط المحبة { بالواد المقدس } عن رذائل الأغيار، والالتفات إلى ما سوى الملك الجبار { طوى } [النازعات: 16] أي: طويت دونه حينئذ مطلق التعينات والنقوش الطارئة على بحر الوجود من رياح الإضافات المعوجة الممنوحة.
وبعدما تقرر في مقعد الصدق، وتمكن على مكمن اللاهوت أمره سبحانه بالالتفات إلى عالم الناسوت، والرجعة نحوه؛ للإرشاد والتكميل تتميما لقضية الحكمة البالغة، المتقنة الإلهية بقوله: { اذهب إلى فرعون } العالي العاتي، الباغي الطاغي { إنه طغى } [النازعات: 17] وتجاوز عن مقتضى العبودية طغيانا فاحشا إلى أن ادعى الألوهية لنفسه.
Page inconnue