572

ثم قال سبحانه تسلية لنبيه، وحطا عنه العار في أمثال هذه الأفعال الكائنة في قضاء الله، المقضية في حضرة علمه: { ما كان } أي: ما لحق وعرض { على النبي } المؤيد من عند الله بأنواع التأييدات المنتظرة على لاوحي الإلهام في جميع أفعاله وأعماله { من حرج } ضيق وإثم سآمة، ووخامة عاقبة { فيما فرض الله له } صلى الله عليه سولم؛ أي: في جميع ما قدر الله له، وكتب لأجله في لوح قضائه من الحوادث الكائنة الجارية عليه صلى الله عليه وسلم على تعاقب الأزمان والأوقات، ومن جملتها: هذا النكاح، وليس أمثال هذا ببدع منا مخصوص بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، بل { سنة الله } الحكيم العليم، المتقن في أفعاله المستمرة القديمة التي سنها سبحانه { في الذين خلوا } ومضوا { من قبل } من الأنبياء والرسل { وكان أمر الله } المثبت في لوح قضائه، وحكمه المبرم في حضرة علمه { قدرا مقدورا } [الأحزاب: 38] حتما مقضيا، مبرما محكوما به ألبتة.

وكيف لا يقضي ولا يحكم بالسنن المقدرة للأنبياء والرسل، وهم { الذين يبلغون رسالات الله } المحمولة عليهم إلى من أرسلوا إليهم من الأمم بلا تبديل ولا تغيير { ويخشونه } ويخافون عنه سبحانه في جميع أحواله { ولا يخشون أحدا إلا الله } يعني: من ديدنة الأنبياء والرسل، وخصلتهم الحميدة: ألا يخافوا من الناس ولا يستحيوا منهم، لا من لوم لائم، ولا من تعييره وتهديده بالقتل والضرب وغير ذلك، بل ما يخافون إلا الله الغيور المنتقم، المقتدر على أنواع العذاب العقاب { وكفى بالله حسيبا } [الأحزاب: 39] ظهيرا ومعينا يكفي مؤنة أعدائهم، ويدفع عنهم شرورهم، وجميع ما قصدوا عليهم من المقت والمكر، وأنواع الأذى والضرر.

[33.40-44]

ثم لما عير الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه تزوج زوجة ابنه ودعيه، وهو زيد رد الله عليهم تعييرهم هذا وتشنيعهم فقال: { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم } أيها الأجانب من المؤمنين على الحقيقة سواء كان زيدا أو غيره؛ حتى تسري حكم الحرمة في تزويج زوجته بعدما قضى الوطر عنها { ولكن } كان صلى الله عليه وسلم { رسول الله } الهادي لعباده أرسله إليكم؛ ليهديكم إلى طريق الرشاد على مقتضى سنته المستمرة في الأمم السابقة { و } لكن من شأنه أنه صار { خاتم النبيين } وختم المرسلين؛ إذ ببعثته صلى الله عليه وسلم كملت دائرة النبوة وتمت جريدة الرسالة، كما قال:

" بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "

، وقال تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم } [المائدة: 3] أي: ببعثته صلى الله عليه وسلم.

والسر فيه والله أعلم: إنه صلى الله عليه وسلم بعث على التوحيد الذاتي، وسائر الأنبياء إنما بعثوا على التوحيد الوصفي والفعلي، وبعدما بعث صلى الله عليه وسلم على توحيد الذات ختم به أمر البعثة والرسالة، وكمل أمر الدين؛ إذ ليس وراء الذات مرمى ومنتهى { وكان الله } المطلع على جميع ما ظهر وبطن { بكل شيء } جرى أو يجري في ملكه { عليما } [الأحزاب: 40] يعلم بعلمه الحضوري جميع ما لمع عليه نور وجوده، حكيما في بعثة الرسل في تنبيه من وفقه وجبله في سابق قضائه على فطرة التوحيد والإيمان، مختارا في ختم البعثة وتكميل الدين بعدما وصل غاية كماله وظهوره.

{ يأيها الذين آمنوا } بالله، وعرفوه حق معرفته وتوحيده، وكمال أسمائه وصفاته مقتضى إيمانكم وعرفانكم: المداومة على ذكره { اذكروا الله } الواحد الأحد، الفرد الصمد، المتصف بجميع أوصاف الكمال، المستجمع لجميع الأسماء الحسنى التي لا تعد ولا تحصى { ذكرا كثيرا } [الأحزاب: 41] مستوعبا لجميع أوقاتكم وحالاتكم، وبالغوا في ذكره؛ كي تصلوا من اليقين العلمي إلى العيني.

{ وسبحوه } أي: نزهوه عن جميع ما لا يليق بشأنه من لوازم الحدوث وأوصاف الإمكان { بكرة وأصيلا } [الأحزاب: 42] أي: في جميع آناء أيامكم ولياليكم، طالبين الترقي من اليقين العيني إلى اليقين الحقي.

وكيف لا تذكرون الله، ولا تسبحون له أيها المؤمنون، مع أن شكر المنعم المفضل واجب عقلا وشرعا؟! { هو الذي } سبحانه { يصلي } ويرحم { عليكم } أيها المؤمنون بذاته، وبمقتضيات أسمائه وصفاته { وملائكته } يستغفرون لكم بإذنه، وإنما يفعل بكم سبحانه هذه الكرامة العظيمة { ليخرجكم من الظلمات } ظلمة العدم الأصلي، وظلمة الطبيعة الهيولي، وظلمة الحجبة التعينية { إلى النور } أي: نور الوجود البحث، الخالص على ظلمات التعينات والكثرات مطلقا { وكان } سبحانه { بالمؤمنين } الموفقين على التوحيد الذاتي { رحيما } [الأحزاب: 43] يوفقهم إلى الإيمان بمقتضى رحمته الواسعة، ثم يصولهم إلى مرتبة التوحيد والعرفان، مترقيا من مضيق الإمكان إلى سعة فضاء الوجوب عناية لهم وتفضلا عليهم، ثم يشرفهم بشرف لقائه بلا كيف، ولا أين بعدما انخلعوا عن جلباب الناسوت، وتشرفوا بخلعة اللاهوت.

Page inconnue