571

{ و } بعدما سمعتن يا نساء النبي ما يليق وينبغي بشأنكن { اذكرن ما يتلى } لإصلاح أحوالكن وتكميلكن في الدين { في بيوتكن } غير مخرجات لطلبه؛ إذ بيوتكن مهبط الوحي الإلهي، ومحل نزول الآيات المنزلة، فلكنذ أن تلازمن خدمة النبي صلى الله عليه وسلم، وتشاهدن عليه من برحاء الوحي الموجب لقوة الإيمان وكمال اليقين والعرفان، فليس لكن أن تخرجن من بيوتكن، وتتعبن أنفسكن في طلب ما يتلى { من آيات الله } الدالة على توحيد ذاته، وكمال أسمائه وصفاته { والحكمة } المتقنة الدالة على متانة فعله ووثاقة تبديره { إن الله } المطلع للسرائر والخفايا { كان لطيفا } يعلم دقائق ما في ضمائر عباده ورقائقه { خبيرا } [الأحزاب: 34] ذو خبرة كاملة على سوانح صدورهمه، وخواطر قلوبهم، فعليهم أن يخلصوا الله في جميع ما أتوا به، واجتنبوا من الأوامر والنواهي وانقادوا له، ويسلموا إليه مفوضين أمورهم كلها.

[33.35-36]

{ إن المسلمين } المسلمين المخصلين، المفوضين أمورهم كلها إليه سبحانه { والمسلمات } المفوضات المخلصات { والمؤمنين } الموقنين الموحدين { والمؤمنات } الموقنات الموحدات { والقانتين } الخاضعين، المتذللين مع الله في جميع الطاعات والعبادات، بل في جميع الحالات { والقانتات } الخاضعات الخاشعات { والصادقين } في جميع الأقوال، المخلصين في جميع الأحوال والأعمال { والصادقات } أيضا كذلك { والصابرين } فلي البأساء والضراء لجميع ما جرى عليهم من القضاء { والصابرات } أيضا كذلك { والخاشعين } المتواضعين، المتضرعين نحو الحق بجوائجهم وجوارحهم { والخاشعات } أيضا كذلك { والمتصدقين } بما عندهم من فواضل الصدقات طلبا لمرضات الله، وهربا من سخطه { والمتصدقات } أيضا كذلك.

{ والصائمين } الممسكين نفوسهم مطلقا عما لا يرضى عنه سبحانه { والصائمات } الممسكات أنفسهم كذلك { والحافظين فروجهم } عن أمارات الزنا، ومقدما السفاح مطلقا { والحافظات } أيضا { والذاكرين } المشتغلين بذكر الله باللسان والجنان والأركان { الله } باسمه الجامع الشامل لجميع الأسماء والصفات لا على سبيل التعديد والإحصاء، ولا في جين دون حين، بل { كثيرا } مستوعبا لجميع الأعيان والأزمان، والأوقات والحالات { والذاكرات } أيضا كذلك { أعد الله } المصلح لأحوالهم، المطلع لما جرى في ظهورهم وبواطنهم ن الإخلاص على وجه التذلل والانكسار { لهم } أي: لهؤلاء المتصفين بالصفات المرضية، والأخلاق المحمودة المقبولة عند الله { مغفرة } سترا وعفوا لما صدر عنهم من الصغائر هفوة، ومن الكبائر أيضا بعدما تابوا عنها، وأخلصوا في التوبة والإنابة على وجه الندامة { وأجرا } جزيلا جميلا لصالحات أعمالهم { عظيما } [الأحزاب: 35] بأضعاف ما استحقوا بحسناتهم تفضلا عليهم وامتنانا.

ثم لما أراد رسول الله أن يزوج بنت عمته التي هي أميمة بنت عبد المطلب، المسماة زينب بنت جحش لزيد بن الحارثة الذي هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعتيقه، فأبت هي وأمها أميمة، وأخوها عبد الله بن جحش، فأعرضوا عن تزويجها إليه، ولم يختاروا؛ لئلا يلحق العار عليهم من تزويج الشريفة بالمولى، فنزلت: { وما كان } يعني: ما صح وجاز { لمؤمن } أي: لواحد من المؤمنين { ولا مؤمنة } واحدة من المؤمنات بعدما أخلصوا الإيمان بالله ورسوله أن يتخلفوا عن حكمهما أصلا، سيما { إذا قضى الله } الحكيم المتقن في أفعاله.

{ و } نفذ { رسوله أمرا } من الأمور المقضية، وحكما من الأحكام المبرمة { أن يكون } ويبقى { لهم الخيرة } أي: الاختيار والترجيح بأن يختاروا { من أمرهم } المحكوم به، المقضي عليه شيئا يخالف الحكم الواقع منهما أو يوافقه، بل لهم؛ أي: يطيعوا وينقادوا لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو حكم الله حقيقة { ومن يعص الله ورسوله } بتغيير ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادعاء الاختيار في المأمور به { فقد ضل } عن طريق الهداية { ضلالا مبينا } [الأحزاب: 36] وانحرف عن منهج الصواب والرشاد انحرافا عظيما، وبعدما نزلت الآية رضيت زينب وأمها وأخوها، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكحها على زيد.

[33.37-39]

{ و } بعدما سمعت يا أكمل الرسل من زيد ما سمعت اذكر { إذ تقول للذي أنعم الله عليه } بأن وفقه للإيمان وقبول الإسلام، وشرفه بشرف خدمتك وصحبتك { وأنعمت عليه } بأن أعتقته ودعوته ابنا { أمسك عليك زوجك } بعدم لم يريك منها شيئا { واتق الله } المنتقم الغيور، واحذر عن بطشه بطلاق العفيفة، والمفارقة منها بلا وصمة عيب ظهرت عنها، وسمة نقص لاحت منها { و } أنت يا أكمل الرسل حينئذ { تخفي في نفسك } حين قولك لزيد هذا { ما الله } المظهر لما في الصدور { مبديه } مظهره ومعلنه من ميلك إلى زينب ونكاحها، وأرادتك لطلاق زيد وافتراقه عنها { و } سبب إخفائك هذا، وإظهارك ضد مطلوبك أنك { تخشى الناس } من أن يعيروك بمناكحة زوجة عتيقك ودعيتك، ويرموك بما لا يليق بشأنك، مع أنك بريء عنه { والله } المطلع على جميع ما ظهر وبطن { أحق } وأولى من { أن تخشاه } وتستحي منه؛ إذ هو سبحانه غيور ينتقم عمن يشاء، ويأخذه على من يشاء.

وهذا عتاب شديد وتأديب بليغ، قالت عائشة - رضي الله عنها: لو كتم النبي شيئا مما أنزل إليه لكتم هذه الآية، فطلقها زيد ومضى عليها العدة، قال صلى الله عليه وسلم: اذهب فاذكرها علي فذهب، فقال: يا زينب إن نبي الله أرسنلي إليك بذكرك، فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤمر من ربي، وقامت إلى الصلاة، فنزلت: { فلما قضى زيد منها } أي: من زينب { وطرا } أي: حاجة، وطلقها ومضت عدتها { زوجناكها } يعني: زوجناك يا أكمل الرسل زينب بلا نصب ولي من الجانبين على المعهود في الشرع، بل أبحنا لك الدخول عليها بلا عقد، وجعلناها زوجتك بلا مهر؛ لذلك كانت تباهي على سائر نسائه صلى الله عليه وسلم قائلة: إن الله تولى نكاحي، وأنتن زوجكن أولياؤكن.

فدخل صلى الله عليه وسلم بلا إذن، ولا عقد نكاح، ولا صداق، ولا شهود، وأطعم الناس خبزا ولحما، ثم قال سبحانه: { لكي لا } يعني: فعلنا ذلك؛ لكيلا { يكون على المؤمنين حرج } ضيق وإثم { في } تزوج { أزواج أدعيآئهم } الذين تبنوهم { إذا قضوا منهن وطرا } يعني: بعدما طقوهن وسرحوهن سراحا جميلا { وكان أمر الله } وحكمه المبرم، المثبت في لوح قضائه { مفعولا } [الأحزاب: 37] مقضيا نافذا كائنا على تعاقب الأحيان والأزمان.

Page inconnue