فأراه الرئيس وجها كالقفل وقال له: إما أن تغير ساعتك أو أنني أغير كاتبي.
قد استغرب الرئيس العظيم تأخر كاتبه دقيقة واحدة واستفظع عمله حتى أنذره بالصرف، فما قولنا نحن بمن يتأخر ساعة وساعتين، والناس في انتظاره وفي أيديهم أوراقهم، حتى إذا سمع وقع خطاه في الرواق دقت القلوب وتنفست الصدور وزال الكابوس، ولكنه لا يلج الباب حتى يرده في وجوههم؟!
ها هو يستريح منتظرا فنجان القهوة، فالفطور يتناوله على مهل وبتأن ورزانة ووقار عملا بنصائح الأطباء مجيدا المضغ، والناس قيام عند بابه يضجون وهو هادئ البال بارد القلب ... حتى إذا حانت الساعة الحادية عشرة قلب بعض وريقات على مكتبه ببطء يتخلله مط شفتين وهز رأس، ثم يأمر بدخول عبيده الواقفين بالباب واحدا واحدا، فينظر إليهم مرة وإلى أوراقه أخرى لاعنا الحياة ساخطا متبرما سابا!
لا أحد غيره خليق بالسب؛ لأنه أضاع ثلاث ساعات بين تأخير وسوء تدبير، وإذا ضمك وإياه مجلس تشكى إليك أنه لم يقفز على سلم الترقي درجات!
وإذا انتقلت إلى أصحاب المهن الحرة، رأيت أكثر رجالها يسلكون هذا المسلك، يضرب لك أحدهم موعدا الساعة الرابعة ثم لا يأتي إلا الساعة السادسة، هذا إذا صدق وجاء، فكيف تتعاطى فيما بعد مع من يقتلك صبرا في غرفة الانتظار قبل أن يقتلك بألاعيبه وأكاذيبه؟! وشر من هذا وذاك ما يقوله لك المستخدمون عنده حين تسألهم عنه: يأتي بعد خمس دقائق، فتنتظر ساعة أو ساعتين ولا يطل القمر ... إنني أؤكد لك أن رب عمل هذه صفاته لا يفلح أبدا، وإن أفلح أولا فهو مخفق أخيرا، ما رأيت شيئا يخلق الرجال ويكبرهم في عيني مثل التدقيق في أقوالهم وأفعالهم.
إن نفسك يا أخي تركب رأسها إذا لم تحاسبها حسابا دقيقا، إن ضميرك يموت ويهجرك هجرانا لا لقاء بعده إذا كنت لا تدقق في الإصغاء إليه، وتجري الحساب بينك وبينه يوميا. الدقة قوام الحياة، ومن يثق منا برجل يعرف أنه غير دقيق في أقواله وأعماله؟ علينا أن نتعلم الدقة من الطبيعة، فالتفاحة لا تفرق بين جنينة القصر المنيف وبين أطراف الحقل وظل الكوخ الحقير، إن عملها واحد في المكانين: صبر ودقة وإتقان، والوردة في البرية تدقق في صنع زهرتها كما لو كانت في بستان ملك الملوك.
والأجرام في نظامنا الشمسي لا تتأخر قط عن مواعيدها، ولو تأخرت ثانية لاضطرب الكون، فلماذا لا نتعلم من هؤلاء الأساتذة: التفاحة والوردة والأجرام؟ فحفظ النظام مطلوب من الكبير والصغير.
التدقيق أخو الاستقامة؛ ولهذا نفضل «ماركات مسجلة» على غيرها، فنشتري هذه البضاعة مطمئنين مبتهجين، إن أصحابها لم ينالوا ثقتنا بما ينتجون ويصدرون إلا لأنهم ثابروا ويثابرون على الدقة في العمل. يخال البعض أن الإعلانات تجر الرواج فالربح الطائل، نعم، إن الإعلان المشوق المغري ينفع مؤقتا، أما الأنفع فهو إتقان الصنعة والتدقيق، فلا يفتخر أحدنا أنه عمل كثيرا، بل فليفتخر بالعمل المتقن الدقيق، وليس في العمل عار مهما سفل، بل العار كل العار في عدم الدقة والإتقان.
قال أحد أعضاء مجلس العموم الإنكليزي لعضو آخر أثناء اشتباكهما في مناقشة: اذكر يوم كنت تمسح حذاء أبي، فأجابه على الفور: هذا صحيح، ولكن ألم أكن أمسحه بدقة؟!
وعير أحدهم المسيو فاليير عندما كان وزيرا، وقبل أن صار رئيس جمهورية فرنسا، بأن اسمه مطبوع على النعل، فأجاب: نعم، ولكنه نعل دقيق الصنعة لا غش فيه.
Page inconnue