كانت غزوة اليمامة أعظم الغزوات في حروب الردة، كما كانت أجلها خطرا وأبعدها أثرا، قضى مقتل مسيلمة بن حبيب قضاء حاسما على المتنبئين في بلاد العرب، وآذن عود بني حنيفة إلى الإسلام بالقضاء على الردة بالبحرين، والقضاء على ردة البحرين هو الذي طوع للمثنى بن حارثة الشيباني أن يسير إلى مصب دجلة والفرات، وأن يكون الطليعة الميمونة لفتح العراق ولإقامة بناء الإمبراطورية الإسلامية. غزاة ذلك شأنها لم يخطئ خالد بن الوليد حين دفع إليها جيوش المسلمين يقتلون ويقتلون ويقضون على مسيلمة وأصحابه عند احتمائهم بحديقة الموت، ولم يبالغ المهاجرون والأنصار حين اندفعوا إلى وطيسها مستميتين يبتغون الشهادة. استشهد من المسلمين يومئذ مئتان وألف، بينهم تسعة وثلاثون من كبار الصحابة ومن حفاظ القرآن.
وقد جزع أهل المدينة لمن استشهد من المسلمين باليمامة، واشتد حزنهم، وإن اختلفت البواعث لهذا الحزن والجزع؛ فأواصر القربى وروابط الود والصداقة وتقدير ما كان لكبار الصحابة وحفاظ القرآن الذين استشهدوا من مكانة سامية عند الرسول (عليه السلام)، كل هذه دوافع تحز في النفوس. لقي عمر بن الخطاب ابنه عبد الله بعد أن أبلى في اليمامة أحسن البلاء، وكان عمر شديد الجزع لمقتل أخيه زيد بها، فكان أول ما واجه به ابنه ما أسلفنا ذكره من قوله: «ما جاء بك وقد هلك زيد! ألا واريت وجهك عني!» وكان جواب عبد الله: «سأل الله الشهادة فأعطيها، وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها.»
على أن جزع ابن الخطاب لمقتل أخيه زيد وأصحابه الذين استشهدوا باليمامة لم يثنه عن التفكير في أمر خطير، هو لا ريب أجل الأمور في حياة الإسلام والمسلمين خطرا، لقد استشهد من حفاظ القرآن في هذه الغزاة من استشهد، واليمامة ليست إلا واحدة من الغزوات التي واجهت المسلمين بعد وفاة الرسول، فما عسى أن يكون الأمر إذا تلاحقت الغزوات فقتل فيها من الحفاظ مثل من قتل باليمامة؟! فكر عمر في هذا وطال تفكيره، فلما استقر به الرأي ذهب إلى أبي بكر وهو بمجلسه من المسجد فقال له: «إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن.»
1
لم يكن أبو بكر قد فكر في هذا الأمر، لذلك لم يلبث حين سمعه أن قال: «كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله
صلى الله عليه وسلم !» عند ذلك دار بين الرجلين حوار طويل لم يورد المؤرخون تفصيله، واقتنع أبو بكر بعد هذا الحوار برأي عمر، فدعا زيد بن ثابت. جاء في البخاري عن زيد بن ثابت أنه قال: «أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل استحر يوم اليمامة بالناس، وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟! فقال: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد: وعنده عمر جالس لا يتكلم، فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب.
2
وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره:
Page inconnue