ونذيره بالشر أنه يربى بعدد السكان على الكفاية من الأقوات والأرزاق، فيتناحرون ويلجئون في حروبهم إلى أسلحة جائحة لم يعهد لها كذلك نظير من قبل في الإبادة والتدمير.
ويسمعنا القرن العشرون وعده الآخر بعد هذا الوعيد المحذور: يسمعنا وعده بالقدرة على استدراك النقص في الأقوات والأرزاق بما يستطيعه الآن، وما يهدي إليه في المستقبل، من تسخير العلم والصناعة في استخراج الأقوات والأرزاق من الأرض البور، ومن المواد المستصلحة للغذاء، ومن ذخائر الطبيعة التي أهملها الإنسان قبل الآن عجزا عن تسخيرها وجهلا بما تحتويه، وقد يتقي إنسان المستقبل غوائل ذلك النذير بتدبير نفسه في شئون نسله وأسرته، فلا يضيق بالرزق له ولذريته على قدر مقدور.
ويعود المنذرون المتشائمون فيتساءلون: ترى هل تتم الوقاية قبل الخطر؟ وهل من ضمان لتأجيل الخطر، وتعجيل الوقاية قبل فوات الأوان؟
ومناط الأمل كله في دفع الخطر أنه خطر عظيم، بل إنه الخطر الأعظم والخطر الأخير الذي لا خطر بعده، ولا استدراك لجرائره ومعقباته، فإن لم يكن في وسع الإنسان أن يتعقل ويعمل رويته في هذا المأزق الذي لا مأزق قبله ولا بعده، فالآفة في جهله شر من الآفة المحذورة من كل مصاب، وبليته واقعة محتومة قبل البلية بأسلحة.
ومن وعود القرن العشرين التي يرجى أن تنجزها الأيام على مهل، وعلى درجات أنه سوف يتأدى إلى صلاح الإنسان نفسه، وصلاح الجماعة الإنسانية بما يمهده لها من حسنات العلم والصناعة.
وأقرب هذه الحسنات إلى التحقيق أن تتقارب الأمم وتتقارب الطوائف والطبقات في المجتمع الواحد، فإن اشتباك العلاقات والمعاملات بين أمم العالم يسوقها إلى التعاون باختيارها وعلى كره منها، وانتشار الصناعة يؤدي إلى توزيع الأعمال والأرزاق بين الطوائف والآحاد، كما يؤدي إلى توزيع الكفايات والمواهب، فلا تتحكم طائفة واحدة في غيرها، ولا تعجز طائفة من الطوائف عن صيانة حقوقها، ولا تنفصل هذه الحقوق كل الانفصال بين فريق وفريق من أبناء الأمة الواحدة، ويشفع هذا التقدم في حق الفرد وحق الطائفة أن يتسع الفراغ للمطالب الكمالية - مطالب الذوق الجميل والفطنة المتفتحة والرياضة المقومة للأبدان والأذهان - فيتقدم الإنسان في خلقه وأدبه، ولا يقف به تقدم الصناعة عند تقدم الآلات والمصنوعات، وبين الوعد والوعيد من طوالع القرن العشرين تسوغ لنا الموازنة على الغيب، فلا نغلو في التفاؤل إذا رجحنا جانب الوعد على جانب الوعيد، فإنه جانب له أسبابه الملموسة ومقدماته الراجحة، ودعائمه التي تستقر على الأرض، ولا تطير إلى أشباه السحاب من دعائم الطوبيات والأحلام. •••
فيما يلي من فصول هذا الكتاب تعقيب يضيف إلى ما تقدم من التمهيد ولا يخالفه في أساسه، ولا في سياقه؛ لأنه لا يفارق قواعد العلم التي تحراها الباحثون وأصحاب الآراء، ولكنه يتحرى التفسير والأمل، حيث يتحرون الإحصاء والحذر، وكلاهما جائز لنا - بل واجب علينا - إذ أردنا أن نأخذ من علم هذا القرن كل ما يعطيه.
ليس العلم مجعولا للأخبار وحدها، ثم ينقلب بعدها جهلا لا فائدة فيه.
إنه لمجعول كذلك للفروض، أو لما يسميه العلماء المتحرجون بالنظريات، وإنها لتلحق بكل علم من علوم اليقين، وتسبق كل علم يتبعها، وإن لم يبلغ بعد مبلغ اليقين.
ونحن فيما يلي من التعقيب لا نبيح لأنفسنا أن نلم بفرض أو تفسير لم تمهده لنا سوابق العلم ومقدمات التاريخ، ولكننا - على الكفة الأخرى - لا نبيح لأنفسنا أن نهمل فرضا واحدا يقوم إهماله على مجرد الدعوى، أو على مجرد الحذر، ولا يقطع به قول فصل أو خبر وثيق.
Page inconnue