L'Appel de la Vérité
نداء الحقيقة: مع ثلاثة نصوص عن الحقيقة لهيدجر
Genres
71
وختاما نصل إلى العنصر الثالث الذي يدخل في تركيب وجود الموجود-الإنساني، وهو الكلام، ماذا يقصد هيدجر بالكلام ؟ ها هو ذا يجمع بينه وبين العنصرين السابقين مؤكدا أنه يقوم على انفتاح الموجود-الإنساني على نفسه، وعلى العالم جميعا.
إن الكلام من الناحية الوجودية أصيل أصالة التواجد (التأثر الوجداني) والفهم، والفهم أسبق من التبيين، كما أن الكلام إفصاح عن الفهم؛ ولهذا فإن كل تبيين يقوم على أساس الكلام،
72
والفهم المتوجد (الذي تسري فيه الوجدانية) للوجود-في-العالم يعبر عن نفسه بالكلام، بهذا تظهر دلالة الفهم الكلية في صورة الكلمة، أو إن شئت فإن المعاني «تنمو لها» كلمات، على العكس مما قد نتصور من أن الكلمات تخترع وتصطنع ثم تزود بمعان مصطنعة، وهنا تتضح دلالة «الإبلاغ» أو «الإخبار» الذي تتحقق فيه المشاركة في الوجدانية والفهم بين موجود إنساني وآخر، وهذا كما ترى أمر طبيعي؛ لأن وجود الموجود-الإنساني في صميمه وجود معية أو وجود مشترك، فهو يحيا دائما في حالة تأثر وجداني مشترك وفهم مشترك، أي أنه باستمرار في حالة «إخبار» يعبر عن هذه المشاركة الأولية؛ ولهذا يكون الكلام أوضح ما يكون عندما تتوافر المشاركة في الفهم والوجدان، أما إذا حاولنا أن نخلق هذه المشاركة عن طريق الكلام فقد يتعثر في طريقه إلى الإفهام.
والتعبير، أو النطق، الذي يتم بالكلام لا يعني أننا نبرز ما في الباطن في صورة منطوقة؛ لأن الموجود-الإنساني، كما نعلم، موجود دائما بالخارج، ولا يخرج كلامه عن أن يكون إفصاحا عن تجاربه فيه، بهذا نصل إلى هذه العبارة المرهقة التي أتمنى - بعد الشرح السابق - ألا تستعصي عليك: «الكلام هو الإفصاح المنظم الدال على التفهم المتوجد (الوجداني) للوجود-في-العالم».
73
لكن ماذا يحدث للكلام حين ينتشر الزيف وعدم الأصالة، حين يسيطر رأي «الناس» فيطغى على الوجود الحقيقي ويحجبه ويصور له أن أسلوبه في الحياة هو الأسلوب الأصيل؟ (وهذا هو أعم الأحوال كما رأينا من قبل)، عندئذ يعبر الفهم عن نفسه باللغو والفضول والالتباس، فحين تجد الناس يثرثرون فيما لا يعرفون ويتكلمون عن كل شيء ولا شيء (وهو الحال السائد في بلادنا) فاعلم أنهم قد فقدوا العلاقة الحقيقية بالموضوع الذي ينصب عليه الكلام، واندفعوا في دوامة من القيل والقال و«الحكي» والتكرار بغير قرار، عندئذ ينقلب الانفتاح الأصلي إلى انغلاق عنيد، ويتعذر على أي إنسان أن يتعمق أي شيء، ويوصد باب المعرفة الحقيقية والتساؤل الحقيقي، ويختم هذا الفهم الفاسد بخاتم اللهاث وراء كل مثير، والتلهف على كل جديد، أي بالفضول الذي يسعى إلى كل مكان دون أن يستقر في أي مكان ! ولا عجب بعد هذا أن يتفشى الالتباس (أو الازدواج)، فتصدمنا الحقيقة البشعة التي تؤكد عجزنا عن التوصل للمعيار الذي نفرق به بين الأصالة والزيف، وهكذا تتحد هذه العناصر الثلاثة (اللغو والفضول والالتباس) وتتجمع فيما يصفه هيدجر «بالسقوط»، وهو تعبير عن تخبط الإنسان في دوامة الزيف التي يدور فيها «الناس» ليل نهار.
وأخيرا أود في نهاية هذا الفصل أن أشير إلى رأي يسوقه هيدجر في هذا المقام، ولا أدري موقف علماء اللغة منه، فهو يطالب بضرورة إرساء علم اللغة على أسس أنطولوجية أصيلة وتحريره من المفاهيم والأفكار المنطقية المسبقة التي تتحكم فيه. (3) الموجود-الإنساني والزمانية
فرغنا من التحليل التمهيدي للموجود-الإنساني، فهل وصلنا إلى تفسير «أصيل» لوجوده؟ هل بلغنا وحدته الكلية؟ هل تقدمنا على الطريق المؤدي للإجابة على السؤال الأنطولوجي الأساسي عن معنى الوجود؟
Page inconnue