Dialogues de Platon : Euthyphron – Apologie – Criton – Phédon
محاورات أفلاطون: أوطيفرون – الدفاع – أقريطون – فيدون
Genres
فإذا سئلت: لماذا يصادف الناس من حوارك المتصل لذة ومتاعا؟ أجبت أيها الأثينيون بالحقيقة التي أنبأتكم بها، وهي أنهم يستمتعون بشهادة أدعياء الحكمة في امتحانهم، فلهم في ذلك لذة، وذاك واجب أمرني به الله، كما علمت يقينا من الرسل والرؤى، وكل طريقة أخرى يمكن لإرادة القوى الإلهية أن تفصح بها عن نفسها لكائن من كان. أيها الأثينيون! ذلك حق، فإن كان افتراء فما أهون أن تكذبوه، ولو كنت أفسد الشبان حقا، وكنت قد أفسدت بعضهم فعلا، لوجب أن يتصدى منهم للانتقام أولئك الذين تقدمت بهم السن؛ فأدركوا ما نفثت لهم في نصحي من سوء أيام الشباب، فإن لم يفعلوا ذلك بأنفسهم وجب أن ينهض ذوو قرباهم أو آباؤهم أو إخوتهم، أو من إلى هؤلاء، فيقتضيني ما أنزلت بأبنائهم من سوء، ها قد حان حينهم، وإني لأرى منهم في المحكمة كثيرا. ها هو ذا أقريطون وهو يعدلني سنا، وها أنا ذا أرى ابنه كريتوبوليس، وذاك ليسانيس السفيطي أبو أشينس ألمحه بين الحضور، وذاك أنتيفون السفيسي أبو أبجينوس، وهؤلاء إخوة كثير ممن التفوا حولي، فهناك نيكوستراتوس بن تيوسدوتيد وأخو تيودوتس (وقد اختار الله تيودونس إلى جواره؛ فهو على أية حال لن يستطيع لي معارضة)، وذلك بارالوس بن ديمودوكس، وقد كان له أخ يدعى تياجس، وأديمانتوس بن أرستون الذي أرى أخاه أفلاطون بين الحاضرين، وكذلك أرى بينكم آنتودورس، وهو أخو أبولودورس. ويمكنني أن أذكر غير هؤلاء كثيرين ممن كان لزاما على مليتس أن يقدم منهم للشهادة من يشاء في سياق دعواه، ومع ذلك فأدعوه الآن يستشهدهم إن كان قد فاته ذلك أولا، وسأفسح له الطريق. سلوه هل بين هؤلاء من يشهد له فيقدمه؟ كلا أيها الأثينيون، فنقيض ذلك هو الصحيح؛ إذ هؤلاء لا يأبون أن يؤيدوا بالقول ذلك المتلاف الذي أفسد ذويهم كما يسميني مليتس وأنيتس. إني لا أستشهد الشبان الذين أفسدتهم فحسب؛ فقد يكون عند هؤلاء ما يحيد بهم عن الحق، ولكني أستشهد ذويهم، وهم بعيدون عن إفسادي، ويكبرون أولئك سنا، فلماذا يظاهرونني بشهادتهم، إلا أن يكون ذلك تأييدا للحق والعدل؟ فهل يعلمون أني أقول الصدق. أما مليتس فمفتر كذاب.
أيها الأثينيون! هذا وما إليه هو كل دفاعي الذي وددت أن ألقيه، ولكني أرجو أن أضيف إليه كلمة أخرى، قد يكون بينكم من يصب علي نقمته إذا ما ذكرت كيف أستجدي الشفاعة والرحمة بعينين باكيتين في مثل هذا الموقف أو ما هو دونه خطرا، وكيف ساق أبناءه إلى المحكمة في جمع من أصدقائه وأقربائه لعله يحرك بذلك الرحمة في النفوس، ثم ينظر فلا يراني أهم بمثل ذلك، على ما يتهدد حياتي من الخطر. قد يطوف بذهنه هذا فيقف مني موقف العداوة، ثم يصوت وهو في سورة من الغضب لأن موقفي لا يرضيه، فإن كان ذلك الرجل بينكم، ولا أحسبه كذلك، فإليه أسوق الحديث رفيقا: أي صديقي! إنني رجل ككل الناس خلقت من لحم ودم لا من خشب وحجارة، كما يقول هومر، ولي أسرة ولي أبناء، عدادهم - أيها الأثينيون - ثلاثة، بلغ أحدهم الصبا وما يزال الآخران طفلين، ومع ذلك فلن أسوق إليكم منهم أحدا يستجديكم براءتي. ولم لا؟ لست أصدر في ذلك عن اعتداد بنفسي أو ازدراء لكم، وسواء خشيت الموت أم لم أخشه فذلك شأن آخر لن أتحدث عنه الآن، وإنما دفعني إلى ذلك عقيدة أن ذلك تصرف يضع من قدري ويحط من شأنكم ويصم الدولة بأسرها وصمة العار، فلا يجوز لرجل قضى من العمر ما قضيت، وذاع صوته في الحكمة بحق أو بغير حق، أن يحقر من نفسه. فمهما يكن من أمر؛ فقد استقر رأي الناس أجمعين على أن سقراط يفضل من عداه في إحدى نواحيه، فإن كان أولئك الذين يقال عنهم إنهم يفضلونني حكمة وشجاعة وما شئت من فضيلة، يمتهنون أنفسهم بمثل ذاك السلوك، فوا خجلتاه مما يفعلون! فقد شهدت ناسا من ذوي الصوت الذائع يفعلون ساعة الحكم عليهم عجبا عجابا، فبدوا كأنما خيل إليهم أنهم ذاهبون. إذا قضيتم عليهم بالموت، إلى حيث الرعب والجزع، كأنهم حسبوا أن لو خليتم بينهم وبين الحياة السبيل فسيكونون من الخالدين ، إنما هؤلاء في حسابي وصمة عار في جبين الدولة، ولو أبصرهم وافد غريب لانقلب إلى أهله يروي عن أثينا أن أعلام رجالها الذين يرفعهم الأثينيون فوق الهام ويسلمونهم زمام الأمر، لا يفضلون الناس في شيء. ولا يجوز في اعتباري أن يكون ذلك من هؤلاء الذين بلغوا بيننا شأوا عظيما، فإن وقع فلا تدعوه حادثا يمضي، ولا تأخذكم بهم، هوادة وخذوا بالشدة كل من يقف منكم هذا الموقف المتوجع؛ لأنه بذلك يعرض المدينة للسخرية، ولا كذلك الصابر الوديع.
ودعوكم من العار، فيلوح لي أن في استرحام القاضي واستجدائه العفو في مكان إقناعه وإنبائه بالنبأ الصحيح خطلا؛ فليس واجب القاضي أن يمنح العدالة منحا، بل عليه أن يحكم حكما عادلا، وقد أقسم أن يحكم وفق القانون، دون أن يميل مع الهوى، ولا يجوز له ولا لنا أن نتعود الحلف باطلا، فلا أحسب في ذلك شيئا من الورع والتقوى. فلا تريدوني إذن على أن أفعل ما أعده فجورا وشينا وخطلا، ولا سيما وأنتم تحاكمونني فيما ادعاه مليتس عني من فجور، فلو استطعت أيها الأثينيون أن أحيد بكم الإغراء والرجاء عن قسمكم لكنت بذلك معلمكم الكفر بالآلهة، ولانقلب دفاعي علي اتهاما بالزيغ عن الإيمان، ولكن الواقع غير هذا، فعقيدتي في الآلهة قائمة على شعور أسمى جدا مما تقوم عليه عقيدة أي مدع من المدعين. فأنا أضع قضيتي أمامكم وأمام الله لتحكموا فيها بما هو خير لي ولكم.
وهنا حكم على سقراط بالموت. •••
أيها الأثينيون! لقد قضيتم بإدانتي، فلم يثر شجني هذا القضاء، وعندي لذلك أسباب كثيرة، فقد كنت أتوقع ذاك. ولشد ما أدهشني أن كادت تتعادل الأصوات؛ فقد ظننت أن فريق الأعداء لا بد أن يكون أوفر من ذلك عددا، وإذا بكفة البراءة لو زاد مؤيدها ثلاثين صوتا لرجحت، أفلم أظفر بهذا على مليتس؟ بل إني لأذهب إلى أبعد من الظفر فأرغم أنه لولا أن ظاهره أنيتس وليقون لما ظفر بخمس الأصوات الذي يحتمه القانون، ولاضطر تبعا لذلك إلى دفع غرامة قدرها ألف دراخمة كما ترون.
ولذلك يقترح أن يكون الموت جزائي؛ فماذا أقترح بدوري أيها الأثينيون؟
7
بالطبع ما أراني جديرا به. فماذا ينبغي أن أبذل من غرم أو أنال من غنم! ماذا أنتم صانعون برجل لم يوفقه الله أبدا ليصطنع البلادة طوال أيام حياته، وأهمل ما عنيت به كثرة الناس - أعني الثروة ومصالح الأسرة والمناصب الحربية - ولم يقل في جمعية الشعب قولا ولم يشترك في مجالس الحكام، ولم يساهم في الدسائس والأحزاب بنصيب؟ كلما فكرت أني كنت رجلا بلغ من الشرف حدا بعيدا، فسلكت من سبل الحياة ما سلكت، لم أقصد إلى حيث لا أستطيع أن أعمل خيرا لكم ولنفسي، بل التمست طريقا أمكنتني أن أقدم لكل منكم على حدته خيرا عظيما، وحاولت أن أحمل كل رجل بينكم على وجوب النظر إلى نفسه لينشد الفضيلة والحكمة قبل أن ينظر إلى مصالحه الخاصة، وأن يضع الدولة في اعتباره فوق مصالحها، فيكون ذلك دستورا لأعماله جميعا. ماذا أنتم صانعون بمثل هذا الرجل أيها الأثينيون! لا إخالكم إلا مجازيه خيرا إن كان لا بد من الجزاء، ويجدر بإحسانكم أن يجيء ملائما لحالته؛ فماذا يحسن برجل فقير أحسن إليكم الصنيع، ويرغب في الفراغ لتمكن من تعليمكم، سوى أن يظل أبدا في مجلس الدولة. وإنه أيها الأثينيون لأجدر بهذا الجزاء ممن كوفئ أوليمبيا في سباق الخيل أو سباق العجلات، سواء أكان يشد عجلته جوادان أو أكثر؛ لأنني فقير محتاج، وذاك غني عنده ما يسد منه العوز، على أنه لا يعطيكم إلا سعادة ظاهرية، أما أنا فأدلكم على الحقيقة. فإذا كان لي أن أقدر لنفسي عقوبة عادلة ما قلت بغير البقاء في مجلس الدولة جزاء أوفى.
قد يذهب بكم الظن أني إنما أتحداكم بهذا كما فعلت حينما حدثتكم عن الضراعة والبكاء؛ فليس الأمر كذلك، إنما أقول هذا لأنني أعتقد أنني لم أسئ إلى أحد عامدا، ولا أظنني قادرا على إقناعكم بذلك في هذا الحوار القصير، فلو كان في أثينا قانون - كما هي الحال في سائر المدن - لا يبيح حكم الإعدام في يوم واحد، لاستطعت فيما أعتقد أن أقنكم، أما الآن فالفترة وجيزة، ولا يمكنني أن أدحض في لحظة هؤلاء المدعين الفحول، وإن كنت كما ظننت لم أسئ إلى أحد فلن أتقدم بالإساءة إلى نفسي قطعا؛ وإذن فلن أعترف بنفسي بأني حقيق بالسوء، ولن أقترح عقوبة ما. ولماذا أفعل؟ أخوفا من الموت الذي يقترحه مليتس؟ على حين أني لا أعلم إن كان الموت خيرا أم شرا! لماذا أقترح عقابا فيكون شرا مؤكدا لا مفر منه؟ أأقترح السجن؟ ولماذا أزج في غيابه فأكون عبدا لحكام هذا العام - أعني الأحد عشر؟ أم أقترح أن أعاقب بالتغريم، وأن أسجن حتى تدفع الغرامة؟ فالاعتراض بنفسه قائم؛ لأنني لا بد أن ألبث في السجن؛ لأنني لا أملك مالا ولا أستطيع دفعا. وإن قلت النفي (وربما قر رأيكم على هذه العقوبة) وجب أن يكون حب الحياة قد أعمى بصيرتي؛ لأنكم وأنتم بنو وطني لا تطيقون رؤيتي ولا تسيغون كلامي؛ لأنه في رأيكم خطر ذميم، فوددتم لو نجوتم من شري عسى أن يطيقه سواكم؛ فما حياتي في هذه السن ضاربا من مدينة إلى مدينة مشردا أبدا، طريدا دائما، يلفظني البلد في إثر البلد؛ فما أرتاب في التفاف الشبان حولي أينما حللت كما فعلوا هنا، فلو نفضتهم رغبوا إلى أوليائهم في طردي فاستجابوا لرجائهم، ولو تركتهم يسعون إلي طردني آباؤهم وأصدقاؤهم صونا لأنفسهم.
رب قائل يقول: نعم يا سقراط، ولكن ألا تستطيع أن تمسك لسانك حتى إذا ارتحلت إلى مدينة أخرى ما اشتبك إنسان معك؟ وعسير جدا أن أفهمكم جوابي عن هذا السؤال، فلو أنبأتكم أني لو فعلت ذلك لكان عصيانا مني لأمر الله، ولذلك لا أملك حبسا للساني، لما صدقتم أن يكون جدا ما أقول، ولو قلت بعد ذلك إن أعظم ما يأتيه الإنسان من خير هو أن يحاور كل يوم في الفضيلة وما يتصل بما سمعتموني أسائل فيه نفسي وأسائل الناس، وإن الحياة التي تخلو من امتحان النفس ليست جديرة بالبقاء، كنتم لهذا أشد تكذيبا، ولكني لا أقول إلا حقا وإن عز علي إقناعكم بصدقه. إني لم أعهد نفسي جارمة تستأهل العقاب، ومع ذلك فلو كان لدي مال لاقترحت أن أعطيكم ما أملك، ولم يكن ذلك ليضيرني في شيء، ولكنكم ترون أني لا أملك مالا، لا بل أظنني قادرا على دفع مينة واحدة (المينة تساوي مائة درهمة) ولذا أقترح هذه العقوبة. إن أصدقائي: أفلاطون، وأقريطون، وكريتوبوليس، وأبولودورس، وهم بين الحاضرين، يرجون مني أن أقول ثلاثين مينة، يضمنون هم دفعها. حسنا، إذن فاحكموا بثلاثين مينة، ولتكن هي عقوبتي، وأحسب هؤلاء كفلاء بدفعها. •••
Page inconnue