Muhammad Ali Jinnah
القائد الأعظم محمد علي جناح
Genres
كان هذا في سنة 1905 بعد عودة جناح من إنجلترا بتسع سنوات، وكان تقسيم البنغال لعبة بارعة لم يحسب المستعمرون أنها سوف تصبح بعد أربعين سنة مبدأ حاسما يقضي على سلطانهم في قسمين أكبر من قسمي البنغال وأخطر، وهما دولة الهند ودولة الباكستان.
ومن عبر التاريخ وتقلبات أطواره أن بطل التقسيم الكبير كان أشد المعارضين لتقسيم البنغال على الرغم من اغتباط المسلمين به، واعتبارهم إياه خيرا سيق إليهم دون أن يسعوا إليه.
لقد ظن حكام الهند يومئذ أن الغنيمة أعظم من أن ترفض، وإن تكشف ما وراءها من مآرب الاستعمار، فلم يكترثوا لإخفاء هذه المآرب وراح رؤساؤهم يعلنونها وراحت صحيفتهم ال «ستيتسمان» لسان حالهم في العاصمة تبسطها بغير مواربة، فقالت كما روى شلفنكار
Shèlvankar
في كتابه عن مشكلة الهند: «إن المقصود بها هو تربية قوة إسلامية في شرق البنغال يرجى أن تكبح تلك القوة المتزايدة في زمرة البرهميين المتعلمين.»
ولكن جناحا كان أقوى شكيمة من أن تقتاده الغنيمة صاغرا، وأيقظ بصرا من أن يتناول الطعم من يد الصياد الماثل أمامه علانية بالمرصاد، وكأنما كان يلحظ بعين الغيب عاقبة هذا التقسيم، وأن الصياد سيخلق منه طعما آخر ويرجع عن التقسيم بعد حين ليجعل من الضغن ضغنين، ومن السخط الجديد مسعرا يلعج به نيران السخط القديم.
على أن جناحا لم يخسر ثقة المسلمين بثباته على سياسة المدرسة المعتدلة في معضلة البنغال؛ لأنهم اعتقدوا إخلاصه وفهموا موقفه على حقيقته وأدركوا أنه نظر فيه إلى غاية بعيدة: وهي إحباط دسيسة استعمارية تنقلب منافعها أضرارا مطبقة تحيق بالجميع، فانتخبوه في سنة 1909 عضوا للمجلس التشريعي الإمبراطوري عن بومباي، وقابل هذه الثقة بالمثابرة على مبدأ الوحدة الهندية والدفاع عن حقوق الهنود حيث كانوا، وعلى اختلاف العقائد التي يدينون بها داخل الهند أو خارجها، وفي إحدى مناقشات هذا المجلس وقعت المشادة المشهورة بينه وبين اللورد منتو حاكم الهند؛ لأنه وصف معاملة حكومة الناتال للهنود المقيمين فيها بالفظاعة، ونبهه الحاكم إلى أن هذه الكلمة ليست من الكلمات البرلمانية التي تسمع من أعضاء المجالس عند الكلام على حكومة أخرى، فلم يشأ جناح أن يتراجع، ولم يشأ كذلك أن يكابر في أدب من آداب التقاليد الرسمية، ومضى قائلا: «نعم يا لورد ... وأراني أنبعث إلى استخدام لهجة أقوى لو أنني طاوعت نفسي، ولكنني ألاحظ دستور هذا المجلس ولا أحب أن أتخطاه لمحة عين، إلا أنني أقول إن المعاملة التي ابتلي بها الهنود هناك أقسى ما يمكن أن يتخيله المتخيل، وإن الشعور الذي تقابل به في الهند شعور اتفاق وإجماع ...»
وبعد انتخابه للمجلس التشريعي الإمبراطوري بسنة وقع عليه الاختيار للوساطة بين نواب البرهميين ونواب المسلمين الذين اجتمعوا في «الله أباد» للتشاور في قواعد الوحدة.
ثم عرضت مسألة الوقف في سنة 1913، ولم يرض فيها عن مسلك البرهميين ولا عن مسلك الحكومة الهندية، وكلف نفسه دراسة هذه المسألة من الوجهة الفقهية ومن الوجهة الاجتماعية، وخامره شك منذ تلك السنة في إمكان خدمة الهنود جميعا باقتصار عمله على المؤتمر، فاستجاب رجاء مولانا محمد علي الرامبوري والسير السيد وزير حسن، وقبل الانضمام إلى العصبة الإسلامية على شريطة التوحيد بين سياسة الهيئتين.
وكان في تلك السنة قد ندب للسفر إلى لندن لشرح المطالب الهندية، فاشتغل في هذه الرحلة بإنشاء جماعة مركزية بالعاصمة الإنجليزية لرعاية الطلبة الهنود، وندب بعد عودته مرة أخرى للسفر إلى العاصمة الإنجليزية والنيابة عن المؤتمر في عرض مقترحاته التي يبني عليها انتخاب الأعضاء الهنود في مجلس وزارة الهند، ثم عمل من سنة 1915 إلى سنة 1920 على عقد مجلس المؤتمر ومجلس العصبة الإسلامية في موعد واحد ومكان واحد؛ لأنه - وهو عضو في الهيئتين - كان يقدر أنه مستطيع أن يتدارك كل بادرة خلاف قبل أن تتشعب وتستعصي على التوفيق.
Page inconnue