ركبت باخرة كبيرة من الرصيف الذي قتلت فيه إليزابيث إمبراطورة النمسا في 10 سبتمبر سنة 1898، يدلونك إلى المحل الذي حصلت الواقعة فيه مؤشرا عليه بعلامة. ولهذه البواخر مقاعد في الطبقة العليا منها، وهي أبدا ملأى بالمسافرين والمتنزهين، هذا يتأمل مناظر البلاد، وهذا يحدق بنظره في بعض الأشياء، وهذا يقرأ أو يسمع قول الدليل، والكل في حديث دائم بكثير من ألسن الأمم المتمدنة. والناس في البر يتأملون هذه البواخر ومن فيها أيضا، حتى إن السفر في هذه البحيرة يعد من ألذ النزهات. وقد قامت الباخرة الساعة 9 صباحا محاذية للشاطئ السويسري، فوقفت في فيرسوا (1)، وهي قريبة من جنيف تكثر فيها الفنادق الصغيرة الرخيصة للعائلات، وكلها هادئة أمامها الحدائق المنظمة، وقامت الباخرة بعد ذلك إلى كيوبيت (2)، ومنها إلى سيلي (3)، ثم إلى مينون (4)، وكل هذه المدن تبدأ من طرف الشاطئ وترتفع ارتفاعا متدرجا، وفيها كثير من كروم العنب والفواكه، حتى إنه لا يخلو بيت من حديقة له صغيرة، ولمجموعها منظر جميل من البحيرة يأخذ بمجامع القلوب. ودارت الباخرة بعد ذلك فانتقلت إلى الشاطئ الفرنسوي، ووقفت في تولون (5)، ثم سارت إلى إيفيان (6)، ثم رجعت إلى الشاطئ السويسري ورست في لوزان (7)، وكان المسافرون يصعدون وينزلون في كل بلد، ولحركتهم لذة يشعر بها الركاب. وتقدمت الباخرة بعد لوزان إلى فيفة (8)، ثم إلى مونترو (9)، ثم إلى شيلون (10)، وهي في طرف البحيرة عند حدود فرنسا وسويسرا. وقد وضع علم كل جمهورية في جهتها، ثم دارت الباخرة على اليمين إلى شاطئ فرنسا فوقفت في بوفرة (11)، فمدينة سان جنجولف (12)، ثم ميلري (13)، ثم تورون (14)، ثم أمفون (15)، ثم دوفين (16)، وهي آخر محطة رجعنا منها إلى جنيف فبلغناها الساعة 9 من المساء، فكأنما هذه السياحة استغرقت 11 ساعة، وكانت نزهة لا تمل منها النفوس. وفي البواخر أطعمة ومشروبات من كل الأنواع، وفي البر ما بين ضفة البحيرة والمرتفعات طرق بهية جميلة، زرعت فيها صفوف الدلب، والناس يتمشون فيها أو يسيرون بالعربات والدراجات بين الأغصان الملتفة والمناظر البديعة، ولهم خطوط ترامواي في هذه الطرق أيضا تسهل الانتقال.
ويجدر بكل سائح في هذه المواضع الجميلة أن يقضي يوما في البحيرة متنقلا على مثل ما قدمنا، ثم يزور مدينتي لوزان وإيفيان، وهما أجمل ما رصعت به ضفاف البحيرة بعد جنيف. وقد فعلت ذلك وذهبت إلى لوزان، وهي في الجانب السويسري، سكانها نحو 40 ألفا، تعد من أجمل المدن منظرا وهواء وموقعا، وقد بنيت على تلال وهضبات شهية، وفيها المستشفيات والمدارس ودور العجزة وغير هذا مما اختاروها بسبب ما اشتهر عن حسن موقعها وطيب الهواء. وزرت مدينة إيفيان أيضا، وهي فرنسوية مشهورة بمائها المعدني؛ فلذلك يكثر الذاهبون للاستشفاء بمائها - وقد وصفت غير مرة كيفية المعيشة في هذه المواضع، فلا حاجة إلى التكرار - ولا يقوم قطار من إيفيان إلا وفيه عربات عديدة من مائها يصدرونه إلى جميع الجهات. وأكثر الذين يأتونها من أهل فرنسا، وهي كثيرة القصور والحدائق الغناء، فيها دوالي العنب معلقة ما بين شجرة وشجرة، والعناقيد مدلاة ما بين تلك الأشجار، وفيها كثير من شجر التفاح والكمثرى وغيرهما، وفيها الفنادق الكثيرة تقام فيها المراقص الحافلة، كما يجري في فنادق مصر مدة الشتاء. وقد زرت أحد ينابيعها المعدنية البهية فألفيته مثل ينابيع النمسا وغيرها مما ورد ذكره وتفاصيله في فصول أخرى من هذا الكتاب.
صخر ناي:
هو صخر شاهق اشتهر بهذا الاسم، وقد قام على جبل باسق، فعلوه عن سطح الأرض 2040 مترا، ذهبت إليه بباخرة البحيرة عن طريق مدينة جليون في الشاطئ السويسري، وكان معي سياح كثيرون، في جملتهم حضرة الدكتور حبيب خياط وقرينته من مصر. وهم يصلون إلى هذا الصخر في سكة من الحديد طولها أربعة أميال ونصف، يلزم لمسيرها صعدا ساعة ونصف، وأما النزول فيكفيه نصف ساعة، وقد نحتوا هذه السكة في الجبل من أسفله وأقاموا حواجز من الخشب (درابزين) إلى جانبي هذه السكة في طول الطريق، والقطار يمشي فيها كأنه صاعد صعودا عموديا، وإلى يمينه وشماله أودية عميقة لها منظر مهيب. وبعد أن سار هذا القطار زمانا دخل في نفق تحت الجبل، فخرج منه عند محطة كو، وهي على ارتفاع 1200 متر عن سطح الأرض، أقيمت فيها الفنادق الكبرى تشرف على البحيرة وهاتيك الأودية والجبال، وينتابها الناس لقضاء أيام الحر الشديد. وسرنا من هذه المحطة صعدا والقطار يعرج فيها ويتعوج ويلتف حتى دخل نفقا آخر طوله 82 مترا، ثم خرج منه إلى محطة جامان وعلوها 1500 متر، ثم عاد إلى المسير ودخل نفقا ثالثا طوله 267 مترا وخرج منه. وكان في كل مسيره ملتفا متعرجا مرتدا، تارة يسير إلى اليمين وطورا إلى اليسار، ونحن في داخله كأننا في قبة طيارة حلقت في الجو، فإذا هي بين الأرض والسماء، وقنن الجبال محيطة بنا عشرات عشرات من جميع الجهات، وشعرنا عند ذلك العلو الشاهق بشدة البرد، ورأينا الضباب مخيما فوق الرءوس، فما عتمنا أن وصلنا المحطة الأخيرة حتى أسرعنا إلى الفندق لنشرب شيئا يدفئ الأبدان. وتفرجنا زمانا على ذلك الصخر المرتفع وما يحيط به من المناظر، ثم رجعنا في القطار كأننا نهبط من عل حتى بلغنا أسفل الجبل، وركبنا الباخرة في البحيرة فعدنا بها إلى جنيف، وكان زمان الذهاب والرجوع 13 ساعة، شعرنا في خلالها أننا في أرض غريبة ومنظر عجيب فتان.
الجبل الأبيض:
هو أعلى جبال أوروبا، ويقال له سلطان الجبال، ارتفاع قمته العليا 4810 أمتار، وهو أبدا تكسوه الثلوج، وله قمم كثيرة ما بين كلسية وصوانية وحجرية وترابية، يتخللها أودية عظيمة تتراكم الثلوج فيها أيضا، وتنصب منها الجداول والشلالات. وقد كان أمر هذا الجبل مجهولا إلى أوائل القرن الماضي، فدأب الأفراد والجمعيات العلمية على انتيابه وقياس أبعاده واكتشاف مجاهله، وتسمية أجزائه والجبال التابعة له، وهي كثيرة، مثل جبل المسلة، وجبل قتب الجمل، وجبل الأهرام، وغير هذا، حتى أصبح الآن كله معروفا، لا يجهل الناس منه شبرا، وهم الآن في كل سنة يصعدون أعاليه، فبعضهم يبلغ أعلاها والبعض ما دونها بقليل، وكلهم يأخذون الأدلاء معهم والمرشدين، ويمسكون بالحبال حتى إذا زلت القدم بسائر في تلك القنن العسيرة لم يهو إلى حضيض أحد الأودية ويلق الفناء. وأكثر الذين يفعلون ذلك من الإنكليز؛ لأنهم اشتهروا بهذه المخاطرات، وهم يتنافسون في تسلق هذا الجبل، فلا يمر عام حتى تدون الجرائد أسماء القتلى منهم الذين يروحون شهداء المخاطرة وحب العلم واكتشاف المجهول؛ فإن أسباب العطب هناك كثيرة، فإما أن تزل القدم أو تزلق على أملس الجليد، أو أن ينهال أجرف من الصخر أو التراب أو الجليد فيودي بمن يقع في طريقه، أو تنشق الأرض المتجمدة تحت الأقدام من ذوبان بعض جليدها فيغور الذي يطأ تلك الأرض. ومن أمثال هذه الحوادث المكدرة أن شابا سويديا كان يرتقي إحدى هذه المرتفعات، فرأى زهرة أسرع ليقطفها ويبقيها معه؛ تذكار تلك الرحلة لوالدته، فزلت به القدم وهوى إلى هوة عمق الثلج فيها 50 مترا وفارق الحياة. ولما علمت والدة الشاب بهذا الخبر جاءت بنفسها وصعدت إلى محل حتفه والأدلاء معها، ثم تقدمت إلى تلك الزهرة حذرة متأنية، فقطفتها وعادت بها مع جثة ابنها إلى الوطن. وقد رسموا طرق السير في هذا الجبل من بعد هذه الحوادث، فالسياح يمرون في الطرق المرسومة فوق الثلج المتراكمة في الوادي.
وقد التقينا في جنيف بحضرات سعاد بك وكيل دائرة دولة البرنس جميل باشا طوسن سابقا، وراشد بك من أعيان مصر، فاتفقنا معهما على زيارة الجبل الأبيض مع ما في ذلك من العناء، فذهبنا في قطار وقف في عدة قرى سويسرية، ثم وصل مدينة لفايه بعد 3 ساعات، وكان معنا سياح أكثرهم من الإنكليز والأميركان قاصدين رؤية الجبل الأبيض أيضا، فتناولنا الغداء جميعا في مطعم المحطة، ثم ركبنا عربة كانت تنتظرنا وتجرها ستة جياد قوية بدينة فقامت في طريق خصت بهذه العربات، ولا تسع غير واحدة منها بعد واحدة ، وكانت العربة تلف وتتعرج وترتد وتدور حسب المعتاد في كل طرق الصعود إلى الجبال، فلما مضى على هذه الحالة خمس ساعات بلغنا بلد شاموني، وهي في أسفل الجبل الأبيض، ولا حاجة إلى القول إن المناظر التي شاهدناها في هذه الساعات الخمس كانت من بدائع الطبيعة بلا مراء. والمسافة بين جنيف وشاموني 8 ساعات، فهي قريبة من بلد الأنس، ولكنها كانت إلى عهد قريب - أي من نحو 50 سنة - بلا ساكن فأصبحت الآن مثابة حسناء يقصدها نحو خمسة آلاف زائر كل عام ليتقدموا منها إلى قمة الجبل، وقد قامت فيها الفنادق الكبرى، بعضها يلي بعضا؛ لتفي بحاجات هؤلاء السائحين، وكثير منهم لا يتعدون هذه الجهة، بل يكتفون بما يرون أمامهم من القمم والمناظر الفتانة، ولكنني كنت من الذين عولوا على رؤية هذه المناظر وبلوغ آخرها، فبت مع الذين عزموا عزمي ليلة في شاموني، وقضينا ليلة أخرى للراحة والاستعداد ثم اشترينا الأحزمة وجوارب الصوف تلبس فوق الحذاء منعا للزلق، وأخذنا لكل منا عصا في آخرها حديد كالحربة يغرز في الثلج؛ حتى يتكئ السائر عليه ولا ينقلب فيحل به العطب. واكترى كل منا بغلا وكان معه دليل أيضا، وفي صباح اليوم التالي تقدمنا على هذه البغال صعدا بسير رويد، وكانت الطريق ضيقة لا تكفي لأكثر من جسم البغل، وكان مرورنا متعرجا حسب العادة، والمناظر من دوننا في هذه الشعاب والمسالك والأودية مما يخلب الأبصار، ولا سيما هذه الصخور الهائلة المقدار، منها حجر من الصوان أراه لنا الدليل وطوله 15 مترا. وبعد أن سرنا أربع ساعات على ظهور البغال بلغنا محطة مونتافير، وهي آخر ما يمكن الوصول إليه على المطايا، علوها 640 قدما، وربما عجب القارئ إذا ذكرنا له أننا وجدنا في هذه الطريق العسيرة المحفوفة بالبرد والأخطار بعضا من السيدات - يغلب على الظن أنهن أميركيات - كن سائرات في تلك المواقف على الأقدام، وهن يفتخرن بمثل هذه المخاطرات، ويؤثرن المشي على الركوب مغالاة في الفخر والمباهاة، والبرد هنا شديد والهواء يجلد الأبدان. وقد بنوا في مونتافير فندقا صغيرا تباع فيه السلع الصغرى تذكارا لهذا الموضع، وأكثرها من الخشب كالأفاريز الصغيرة وسكاكين الورق وحجارة الألماس الصخري، وهي باهرة اللمعان كأنها الجوهر الحقيقي وحجارة عين الهر، وفي سويسرا كثير من هذين النوعين يصوغونه بالذهب ويبيعونه في أشهر المدن. وقد التقينا في هذا الفندق ببعض مندوبي الصحافة قادمين من معرض باريس، وفي جملتهم حضرة الأمير أمين أرسلان مندوبا من صحف البلاد العثمانية، وكان معه نواب صحف الصين واليابان وغيرهما، وأما مصر فلم تندب صحفها أحدا في ذلك المؤتمر. وكثير من السائحين يبلغون هذا المكان ولا يمرون فوق بحر الجليد.
وأما بحر الجليد هذا، فهو موضع غريب على مقربة من مونتافير، وهو عبارة عن واد عظيم ما بين جبلين شاهقين، وقد غطى الجليد أرضه فجعلها كالبحر منظرا؛ ولذلك أطلقوا هذا الاسم عليه، وطول هذا الوادي أربعة أميال ونصف، وعرضه ميل وربع ميل، فلما جاء وقت الذهاب إليه قمنا مع القائمين، وسرنا في أول الأمر نحو ربع ساعة حتى إذا بلغنا طرف هذا البحر المتجمد لبسنا جوارب الصوف فوق الأحذية، وأمسكنا بالعصي التي في طرفها حراب يسارنا، وأمسك بنا الأدلاء باليمين، فسرنا على هذه الطريقة فوق منبسط من الماء المتجمد، وقد نقروا فيه مواضع صغيرة هي إشارات إلى حيث يلزم أن توضع القدم، وتأملنا ساعتئذ منظر هذا الموضع، فإذا هو بديع يولد مهابة في النفوس، وهو بلا مثيل بين المناظر التي ينتابها السائحون، ولا سيما إذا تأمله الواقف في وسطه كما فعلنا حين بلغنا موضعا يقال له البئر، وهو مكان تشقق فيه الجليد وجرى من تحته الماء، والناس يجرون فوق هذا المنظر ويعجبون. وبينا نحن نتأمل هذه البئر العجيبة نبه السياح والأدلاء أذهاننا إلى منظر بعيد، هو جرف من التراب انهال من الجبل الأبيض على مرأى منا، وتطاير غباره فكان كالغيم والضباب في ذلك الجو الرفيع.
المرور من بحر الجليد.
وظللنا على المسير حتى بلغنا الطرف الآخر بعد ثلث ساعة بوجه التقريب، وكانت الحجارة الصوانية الكبرى مبعثرة هناك، وهي متساقطة من جبل شابو القائم أمامنا، فجعلت أنتقل من حجر إلى حجر حتى وصلت آخر الجليد، وهو في الأرض بأسفل الجبل المذكور، ولكنني لحظت في تلك الساعة أن كل السائحين عادوا من بئر الجليد السابق ذكرها إلى الفندق في نفس الطريق التي سلكناها ونحن قادمون، وبقيت أنا وحدي مع بعض من الرفاق فلم أدرك العلة في ذلك لأول وهلة، وعدت مع رفاقي إلى المسير على الأقدام في لحف جبل شابو حتى التقينا بجبل آخر من الحجر الصواني الساطع يلمع كأنه المرآة، وقد قام على شكل عمودي تقريبا كأنه الجدار أسفله في بحر الجليد وأعلاه في القمة، ولا بد من اجتياز هذا الجبل العسر لإتمام الرحلة، فهم وجدوا طريقا سموها «موفه با» - أي المسلك الوعر - وطريقهم هذه عبارة عن نقر في هذا الجبل، غرزوا به قضيبا من نحاس، فكنت أسير على هذه الحفر وأمسك بذلك الحديد وأنا على غاية من التأني والحذر، وكان وجهي لا يبعد أكثر من نصف متر عن هذا الجدار، وورائي بحر الجليد، ولكنني لم ألتفت إلى الوراء عملا بنصيحة الدليل. وقد أدركت في هذا الموقف الحرج سبب رجوع السياح من بئر الجليد؛ لأن المسير هنا خطر على السائرين، وقد استغرق معنا في هذا المكان نحو خمس دقائق تقريبا، فلما انتهينا منه فرحنا بالفرج وحمدنا الرحمن الرحيم، ورأينا أمامنا خصا تباع فيه المشروبات، فاسترحنا قليلا في هذا الخص، وهو ترى منه الجبال المحيطة بهذا الموضع - وقد ذكرنا بعضها - ويرى أيضا منتهى بحر الجليد، وهو قائم كالجدار يخرج منه نهر آفر وينحدر بسرعة، وهو الذي يسير مع نهر الرون من جنيف وقد سبق ذكره، وعلو هذا الجدار من 10 أمتار إلى 15 مترا، وهو يزحف في بعض الأحيان ويتقدم من ثقل الجليد وراءه، فهم يضعون علامات من الحجر لمواضع انتقاله، وقد سرنا من هذا المكان على الأقدام في طريق أنشئ بلحف الجبل، وطوله نحو ثلث ساعة، والتقينا أثناء المسير هنا بجبل آخر صواني، لون حجره أزرق، قام عموديا كالجدار أيضا، وعلوه 1200 متر، وعرضه 400 متر تقريبا ، تنحدر من أعلاه مياه صافية كالزلال، وهي تجري على كل عرضه، ولها منظر بديع، شربنا من هذه المياه بأيدينا؛ لأن منظرها شهي، والشرب منها يحلو للنفوس. وما زلنا على المسير حتى انتهينا من المسالك العسيرة، ورأينا البغال واقفة بانتظارنا حسب اتفاق سابق مع الأدلاء، فركبنا ظهورها وسرنا في واد من شجر الصنوبر تلتف أغصانه بعضها على بعض حتى إنها تحجب نور الشمس في بعض أجزاء هذه الغيضة الحسناء. ولما هبطنا على ظهور المطايا إلى سطح الأرض ظللنا على المسير بين عمائر السويسريين ومزارعهم وبساتينهم ومراعيهم الغضة، نمتع الطرف بمنظر هذه الأكواخ التي قامت على عمد من الخشب، ومن تحتها فراغ حتى إذا جرت السيول لا تجرف الأكواخ بما فيها، ولها سطوح من القرميد المتدرج في الصعود، لا تستقر عليه المياه من الأمطار الكثيرة. وكنا نعجب بالمواشي والأبقار الضليعة تتنقل بين هذه الأعشاب والمرابع البهية حتى إذا جاءت الساعة 7 مساء عدنا إلى شاموني بعد سفر 12 ساعة، وقد أعيانا التعب من المسير في أعسر مسالك أوروبا الجبلية، وأغرب مواقع الطبيعة الفخيمة التي تؤثر في الصدور.
Page inconnue