فتساءل السلطان: وكيف تفرق بين الوهم والحقيقة؟
فقال بعد تردد: علينا أن نستعمل ما وهبنا الله من حواس وعقل.
فهز السلطان رأسه، وقال: استمر يا سندباد.
فقال السندباد: تعلمت أيضا يا مولاي أن النوم لا يجوز إذا وجبت اليقظة، وأنه لا يأس مع الحياة؛ فقد ارتطمت السفينة بصخور ناتئة فتحطمت وانتقل من عليها إلى جزيرة، جزيرة جرداء لا ماء فيها ولا شجر، ولكننا حملنا معنا أغذية وقرب مياه، ورأيت صخرة كبيرة على مبعدة يسيرة فقلت أنام في ظلها ساعة .. ونمت، وصحوت فلم أجد لإخواني أثرا، ناديت فلم أسمع مجيبا، عدوت نحو الشاطئ فرأيت سفينة تنحدر وراء الأفق، ورأيت الأمواج تهدر منشدة نشيد اليأس والموت، أدركت أنها انتشلت أصحابي، وأنهم في نشوة النجاة نسوا صاحبهم النائم وراء الصخرة، لا نأمة تصدر عن حي، ولا شيء يعلو عن سطح الأرض الجرداء إلا الصخرة، ولكن أي صخرة؟! نظرت بعيني اللتين أحدهما الفزع فتبين لي أنها بيضة لا صخرة كما بدت لعيني المرهقتين، بيضة في حجم بيت كبير، بيضة أي طائر؟! ودهمني الفزع من ذاك العدو المجهول وأنا أغوص في خلاء الموت البطيء .. وإذا بنور الشمس ينطفئ وينتشر جو أسمر كالمغيب فرفعت بصري فرأيت كائنا كالنسر ولكنه يفوقه في الحجم مئات المرات، رأيته يهبط وئيدا حتى يرقد فوقها، أدركت أنه يحتويها ليطير بها، فخطرت لي فكرة جنونية فربطت نفسي في طرف ساقه الشبيه بالصاري، وحلق بي طائرا فوق الأرض، فبدا لعيني كل شيء صغيرا تافها، كأنما لا ينبض به أمل أو ألم، حتى حط فوق قمة جبل، ففككت رباطي وزحفت إلى ما وراء شجرة فارعة لم أر مثلها من قبل، واستراح الطائر ساعة ثم واصل رحلته نحو المجهول فقهرني النوم، ولما استيقظت كانت الشمس تشتعل في الضحى، التهمت من حشائش الأرض ما أسكت جوعي ورويت عطشي من نقرة مترعة بماء صاف، عند ذاك انتبهت إلى أن الأرض تعكس إشعاعا يبهر البصر، فتفحصته فتكشف لي سطح الأرض عن ماس حر، وتحرك طموحي رغم تعاستي، فقلعت منه ما استطعت وصررته في سروالي، وانحدرت فوق السطح حتى انتهيت إلى شاطئ، حيث أنقذتني سفينة عابرة.
قال شهريار بهدوء: إنه الرخ الذي نسمع عنه ولا نراه، إنك أول إنسان يسخره لأغراضه يا سندباد، فاعلم ذلك أيضا.
فقال سندباد بحياء: إنها مشيئة الله المتعال.
ثم واصل حديثه قائلا: تعلمت أيضا يا مولاي أن الطعام غذاء عند الاعتدال ومهلكة عند النهم، ويصدق على الشهوات ما يصدق عليه؛ فقد تحطمت السفينة كسابقتها فوجدنا أنفسنا في جزيرة يحكمها ملك عملاق لكنه كريم مضياف، رحب بنا ترحيبا فاق جميع آمالنا، ولم يكن لنا في كنفه إلا الاسترخاء والسمر، وقد قدم لنا من صنوف الطعام وألوانه ما لا يخطر ببال، فأقبلنا على الطعام كالمجانين، غير أن كلمات قديمة تلقيتها في صباي عن مولاي الشيخ عبد الله البلخي صدتني عن الإفراط ويسرت لي وقتا طويلا للعبادة، على حين أنفق أصحابي وقتهم في التهام الطعام والنوم الثقيل في أعقاب الامتلاء، فازداد وزنهم زيادة فظيعة واكتظوا باللحم والدهن، فانقلبوا كالبراميل .. وجاء الملك ذات يوم فتأملنا رجلا رجلا، ثم دعا أصحابي إلى قصره والتفت إلي قائلا في ازدراء: إنك كالأرض الصخرية لا تثمر.
فحزنت لذلك .. وخطر لي أن أتسلل بليل لأرى ما يفعل أصحابي، فرأيت رجال الملك وهم يذبحون الربان، ويقدمونه للملك فالتهمه بوحشية وتلذذ .. فطنت في الحال إلى سر كرمه، وهربت إلى الشاطئ حتى أنقذتني سفينة.
تمتم السلطان: أبقاك تورعك يا سندباد.
ثم قال وكأنما يحادث نفسه: ولكن الملك أيضا في حاجة إلى الورع!
Page inconnue