فقال الشيخ باسما: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم من اتبع العلم واستعمله. - ستجد فيها يا مولاي ما يسرك.
فقال بفتور: طوبى لمن كان همه هما واحدا، ولم يشغل قلبه بما رأت عيناه وسمعت أذناه، ومن عرف الله فإنه يزهد في كل شيء يشغله عنه.
وتم له الاستقرار، ودعا أصحابه إلى الوليمة، وهناك روى لهم ما حدث له في رحلاته السبع، ومنهم انتشر في الحي، ثم في المدينة، فهزت الأفئدة وأشعلت الأخيلة.
4
وذات يوم استدعاه حاكم الحي معروف وقال له: أبشر يا سندباد، مولانا السلطان شهريار يرغب في رؤيتك.
فسر بذلك أيما سرور، ومضى من فوره إلى القصر بصحبة كبير الشرطة عبد الله العاقل .. غير أنه لم يتشرف بالمثول بين يدي السلطان إلا أول الليل فذهبوا به إلى الحديقة .. جلس حيث أجلس في ظلمة شاملة، وأنفاس الربيع تنفذ في أعماقه أخلاطا من روائح الزهور تحت سقف يومض بالنجوم .. كان السلطان يتحدث بهدوء ولطف فاطمأن قلبه وزايلته الرهبة وحل الأنس والحب .. سأله عن عمله الأول وعن حظه من العلوم وعما جعله يعزم على الرحلة .. فأجاب بإيجاز يناسب المقام، وبصراحة وصدق .. قال شهريار: حدثني قوم عن رحلاتك، فرغبت أن أسمع منك ما تعلمته منها إن كنت حظيت منها بعلم نافع، فلا تكرر إلا ما تقتضيه الضرورة.
فتفكر سندباد مليا، ثم قال: الله المستعان يا مولاي. - إني مصغ إليك يا سندباد.
ملأ الرجل صدره بالأريج الطيب، ثم قال: تعلمت يا مولاي أول ما تعلمت أن الإنسان قد ينخدع بالوهم فيظنه حقيقة، وأنه لا نجاة لنا إلا إذا أقمنا فوق أرض صلبة؛ فإنه لما غرقت سفينتنا في رحلتنا الأولى سبحت متعلقا بلوح من ألواحها حتى اهتديت إلى جزيرة سوداء، شكرنا الله، أنا ومن معي، وجلنا في أنحائها نفتش عن ثمرة، ولما لم نجد تجمعنا على الشاطئ متعلقة آمالنا بأي سفينة تعبر .. وما ندري إلا وأحدنا يصيح: الأرض تتحرك!
نظرنا فوجدناها تميد بنا فركبنا الفزع، وإذا بآخر يصيح: الأرض تغرق.
أجل، كانت تغوص في الماء! ورميت بنفسي في الماء .. وضح لنا أن ما ظنناه أرضا لم يكن إلا ظهر حوت كبير، أزعجته حركتنا فوقه فمضى إلى عالمه يحف به الجلال .. وسبحت مسلما أمري للمقادر حتى ارتطمت يداي بصخور، ومنها زحفت إلى جزيرة حقيقية يجري فيها الماء وتكثر الفاكهة، عشت بها زمنا حتى مرت بي سفينة فنجوت بها.
Page inconnue