وإذا كان العمل في أيّام العشر أفضل وأحبّ إلى الله من العمل في غيره من أيّام السّنة كلّها، صار العمل فيه - وإن كان مفضولا - أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا؛ ولهذا قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد»، ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد؛ فإنّه ﷺ سئل: أيّ الجهاد أفضل؟ قال: «من عقر جواده وأهريق دمه» (^١)، وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله.
سمع النبي ﷺ رجلا يدعو، يقول: اللهم، أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين. فقال له: «إذن يعقر جوادك وتستشهد» (^٢). فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر.
وأمّا بقية أنواع الجهاد فإنّ العمل في عشر ذي الحجّة أفضل وأحبّ إلى الله ﷿ منها، وكذلك سائر الأعمال، وهذا يدلّ على أنّ العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره. وقد روي في حديث ابن عبّاس ﵄ هذا زيادة: «والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة» وفي إسنادها ضعف.
وقد ورد في قدر المضاعفة روايات متعدّدة مختلفة، فخرّج الترمذي وابن ماجه من رواية النّهّاس بن قهم، عن قتادة، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما من أيّام أحبّ إلى الله أن يتعبّد له فيها من عشر ذي الحجّة، يعدل صيام كلّ يوم منها [بصيام سنة] (^٣)، وقيام كلّ ليلة
(^١) أخرجه: أبو داود (١٤٤٩)، والنسائي (٥/ ٥٨) بمعناه.
(^٢) أخرجه: الحاكم (٢/ ٧٤)، وابن حبان (٤٦٣٩).
وراجع: «التاريخ الكبير» للبخاري (١/ ٢٢٢)، و«التمهيد» لابن عبد البر (١/ ٢٣٧)، و«علل الدارقطني» (٤/ ٣٤٢).
(^٣) في الأصول: «السنة»، والمثبت من مصادر التخريج.