Le Recueil des Explications des Versets du Coran
جامع البيان في تفسير القرآن
ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان
[المائدة: 89] فهذه لها كفارة. وكأن قائل هذه المقالة وجه تأويل قوله: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } إلى غير ما وجه إليه تأويل قوله:
ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان
[المائدة: 89] وجعل قوله: { بما كسبت قلوبكم } الغموس من الأيمان التي يحلف بها الحالف على علم منه بأنه في حلفه بها مبطل، وقوله:
بما عقدتم الأيمان
[المائدة: 89] اليمين التي يستأنف فيها الحنث أو البر، وهو في حال حلفه بها عازم على أن يبر فيها. وقال آخرون: بل ذلك هو اعتقاد الشرك بالله والكفر. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا إسماعيل بن مرزوق، قال: ثني يحيى بن أيوب، عن محمد، يعني ابن عجلان، أن يزيد بن أسلم كان يقول في قول الله تعالى ذكره: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } مثل قول الرجل: هو كافر، هو مشرك، قال: لا يؤاخذه الله حتى يكون ذلك من قلبه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال: اللغو في هذا: الحلف بالله ما كان بالألسن فجعله لغوا، وهو أن يقول: هو كافر بالله، وهو إذا يشرك بالله، وهو يدعو مع الله إلها، فهذا اللغو الذي قال الله تعالى في سورة البقرة: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } قال: بما كان في قلوبكم صدقا واخذك به، فإن لم يكن في قلبك صدقا لم يواخذك به، وإن أثمت. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أوعد عباده أن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم من الأيمان، فالذي تكسبه قلوبهم من الأيمان، هو ما قصدته، وعزمت عليه على علم ومعرفة منها بما تقصده وتريده، وذلك يكون منها على وجهين: أحدهما على وجه العزم على ما يكون به العازم عليه في حال عزمه بالعزم عليه آثما وبفعله مستحقا المؤاخذة من الله عليها، وذلك كالحالف على الشيء الذي لم يفعله أنه قد فعله، وعلى الشيء الذي قد فعله أنه لم يفعله، قاصدا القيل الكذب، وذاكرا أنه قد فعل ما حلف عليه أنه لم يفعله، أو أنه لم يفعل ما حلف عليه أنه قد فعل، فيكون الحالف بذلك إن كان من أهل الإيمان بالله وبرسوله في مشيئة الله يوم القيامة إن شاء واخذه به في الآخرة، وإن شاء عفا عنه بتفضله، ولا كفارة عليه فيها في العاجل، لأنها ليست من الإيمان التي يحنث فيها، وإنما الكفارة تجب في الأيمان بالحنث فيها، والحالف الكاذب في يمينه ليست يمينه مما يتبدأ فيه الحنث فتلزم فيه الكفارة.
والوجه الآخر منهما: على وجه العزم عل إيجاب عقد اليمين في حال عزمه على ذلك، فذلك مما لا يؤاخذ به صاحبه حتى يحنث فيه بعد حلفه، فإذا حنث فيه بعد حلفه كان مؤاخذا بما كان اكتسبه قلبه من الحلف بالله على إثم وكذب في العاجل بالكفارة التي جعلها الله كفارة لذنبه. القول في تأويل قوله تعالى: { والله غفور حليم } . يعني تعالى ذكره بذلك: والله غفور لعباده فيما لغوا من أيمانهم التي أخبر الله تعالى ذكره أنه لا يؤاخذهم بها، ولو شاء واخذهم بها، ولما واخذهم بها فكفروها في عاجل الدنيا بالتكفير فيه، ولو شاء واخذهم في آجل الآخرة بالعقوبة عليه، فساتر عليهم فيها، وصافح لهم بعفوه عن العقوبة فيها وغير ذلك من ذنوبهم. حليم في تركه معاجلة أهل معصيته العقوبة على معاصيهم.
[2.226]
يعني تعالى ذكره بقوله: { للذين يؤلون } الذين يقسمون ألية، والألية: الحلف. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا مسلمة بن علقمة، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب في قوله: { للذين يؤلون } يحلفون. يقال: آلى فلان يؤلي إيلاء وألية، كما قال الشاعر:
كفينا من تغيب من تراب
Page inconnue