Le Recueil des Explications des Versets du Coran
جامع البيان في تفسير القرآن
[البقرة: 239] فنصب لأنهما حالان للفعل غير دائبين، ولا يصلح معهما هو، وذلك أنك لو أظهرت هو معهما لاستحال الكلام. ألا ترى أنه لو قال قائل: إن خفت من عدوك أن تصلي قائما، فهو راجل أو راكب لبطل المعنى المراد بالكلام؟ وذلك أن تأويل الكلام: فإن خفتم أن تصلوا قياما من عدوكم، فصلوا رجالا أو ركبانا ولذلك نصبه إجراء على ما قبله من الكلام كما تقول في نحوه من الكلام: إن لبست ثيابا فالبياض، فتنصبه لأنك تريد إن لبست ثيابا فالبس البياض، ولست تريد الخبر عن أن جميع ما يلبس من الثياب فهو البياض، ولو أردت الخبر عن ذلك لقلت: إن لبست ثيابا فالبياض رفعا، إذ كان مخرج الكلام على وجه الخبر منك عن اللابس أن كل ما يلبس من الثياب فبياض، لأنك تريد حينئذ: إن لبست ثيابا فهي بياض. فإن قال: فهل يجوز النصب في قوله: { فإخوانكم }؟ قيل: جائز في العربية، فأما في القراءة فإنما منعناه لإجماع القراء على رفعه. وأما في العربية فإنما أجزناه لأنه يحسن معه تكرير ما يحمل في الذي قبله من الفعل فيهما: وإن تخالطوهم فإخوانكم تخالطون فيكون ذلك جائزا في كلام العرب. القول في تأويل قوله تعالى: { والله يعلم المفسد من المصلح }. يعني تعالى ذكره بذلك: إن ربكم وإن أذن لكم في مخالطتكم اليتامى على ما أذن لكم به، فاتقوا الله في أنفسكم أن تخالطوهم وأنتم تريدون أكل أموالهم بالباطل، وتجعلون مخالطتكم إياهم ذريعة لكم إلى إفساد أموالهم، وأكلها بغير حقها، فتستوجبوا بذلك منه العقوبة التي لا قبل لكم بها، فإنه يعلم من خالط منكم يتيمه، فشاركه في مطعمه ومشربه ومسكنه وخدمه ورعاته في حال مخالطته إياه ما الذي يقصد بمخالطته إياه إفساد ماله، وأكله بالباطل، أم إصلاحه وتثميره، لأنه لا يخفى عليه منه شيء، ويعلم أيكم المريد إصلاح ماله، من المريد إفساده. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى ذكره: { والله يعلم المفسد من المصلح } قال: الله يعلم حين تخلط مالك بماله أتريد أن تصلح ماله أو تفسده فتأكله بغير حق. حدثني أبو السائب، قال: ثنا أشعث، عن الشعبي: { والله يعلم المفسد من المصلح } قال الشعبي: فمن خالط يتيما فليتوسع عليه، ومن خالطه ليأكل ماله فلا يفعل.
القول في تأويل قوله تعالى: { ولو شاء الله لأعنتكم }. يعني تعالى ذكره بذلك: ولو شاء الله لحرم ما أحله لكم من مخالطة أيتامكم بأموالكم أموالهم، فجهدكم ذلك وشق عليكم، ولم تقدروا على القيام باللازم لكم من حق الله تعالى، والواجب عليكم في ذلك من فرضه، ولكنه رخص لكم فيه، وسهله عليكم، رحمة بكم ورأفة. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { لأعنتكم } فقال بعضهم بما: حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد، أو عيسى، عن قيس بن سعد، عن مجاهد شك أبو عاصم في قول الله تعالى ذكره: { ولو شاء الله لأعنتكم } لحرم عليكم المرعى والأدم. قال أبو جعفر: يعني بذلك مجاهد، رعي مواشي والي اليتيم مع مواشي اليتيم والأكل من إدامه، لأنه كان يتأول في قوله: { وإن تخالطوهم فإخوانكم } أنه خلطة الولي اليتيم بالرعي والأدم. حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ولو شاء الله لأعنتكم } يقول: ولو شاء الله لأحرجكم، فضيق عليكم، ولكنه وسع ويسر، فقال:
ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف
[النساء: 6]. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ولو شاء الله لأعنتكم } يقول: لجهدكم، فلم تقوموا بحق ولم تؤدوا فريضة. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع نحوه، إلا أنه قال: فلم تعملوا بحق. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولو شاء الله لأعنتكم } لشدد عليكم. حدثني يونس. قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: { ولو شاء الله لأعنتكم } قال: لشق عليكم في الأمر، ذلك العنت. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قوله: { ولو شاء الله لأعنتكم } قال: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا. وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرت عنه، وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيها، فإنها متقاربات المعاني لأن من حرم عليه شيء فقد ضيق عليه في ذلك الشيء، ومن ضيق عليه في شيء، فقد أحرج فيه، ومن أحرج في شيء أو ضيق عليه فيه فقد جهد، وكل ذلك عائد إلى المعنى الذي وصفت من أن معناه الشدة والمشقة، ولذلك قيل: عنت فلانا: إذا شق عليه وجهده فهو يعنت عنتا، كما قال تعالى ذكره: { عزيز عليه ما عنتم } يعني ما شق عليكم وآذاكم وجهدكم، ومنه قوله تعالى ذكره:
ذلك لمن خشي العنت
[النساء: 25] فهذا إذا عنت العانت، فإن صيره غيره كذلك قيل: أعنته فلان في كذا: إذا جهده وألزمه أمرا جهده القيام به يعنته إعناتا، فكذلك قوله: { لأعنتكم } معناه: لأوجب لكم العنت بتحريمه عليكم ما يجهدكم ويحرجكم مما لا تطيقون القيام باجتنابه وأداء الواجب له عليكم فيه. وقال آخرون: معنى ذلك: لأوبقكم وأهلككم. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: قرأ علينا: { ولو شاء الله لأعنتكم } قال ابن عباس: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن فضيل وجرير، عن منصور، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: { ولو شاء الله لأعنتكم } قال: لجعل ما أصبتم موبقا. القول في تأويل قوله تعالى: { إن الله عزيز حكيم }. يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله عزيز في سلطانه لا يمنعه مانع مما أحل بكم من عقوبة، لو أعنتكم بما يجهدكم القيام به من فرائضه، فقصرتم في القيام به، ولا يقدر دافع أن يدفعه عن ذلك ولا عن غيره مما يفعله بكم وبغيركم من ذلك لو فعله هو، لكنه بفضل رحمته من عليكم بترك تكليفه إياكم ذلك، وهو حكيم في ذلك لو فعله بكم، وفي غيره من أحكامه وتدبيره لا يدخل أفعاله خلل ولا نقص ولا وهي ولا عيب، لأنه فعل ذي الحكمة الذي لا يجهل عواقب الأمور، فيدخل تدبيره مذمة عاقبة، كما يدخل ذلك أفعال الخلق لجهلهم بعواقب الأمور، لسوء اختيارهم فيها ابتداء.
[2.221]
اختلف أهل التأويل في هذه الآية: هل نزلت مرادا بها كل مشركة، أم مراد بحكمها بعض المشركات دون بعض؟ وهل نسخ منها بعد وجوب الحكم بها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: نزلت مرادا بها تحريم نكاح كل مشركة على كل مسلم من أن أجناس الشرك كانت عابدة وثن أو كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك، ثم نسخ تحريم نكاح أهل الكتاب بقوله:
يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات
[المائدة: 4] إلى:
Page inconnue