Le Recueil des Explications des Versets du Coran
جامع البيان في تفسير القرآن
" أيها الناس إن الله قد تطول عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، والتبعات بينكم عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله "
فقال أصحابه: يا رسول الله أفضت بنا بالأمس كئيبا حزينا، وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إني سألت ربي بالأمس شيئا لم يجد لي به، سألته التبعات فأبى علي، فلما كان اليوم أتاني جبريل قال: إن ربك يقرئك السلام ويقول التبعات ضمنت عوضها من عندي "
فقد بين هذان الخبران أن غفران الله التبعات التي بين خلقه فيما بينهم إنما هو غداة جمع، وذلك في الوقت الذي قال جل ثناؤه: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله } لذنوبكم، فإنه غفور لها حينئذ، تفضلا منه عليكم، رحيم بكم. والآخر منهما: ثم أفيضوا من عرفة إلى المشعر الحرام، فإذا أفضتم إليه منها فاذكروا الله عنده كما هداكم.
[2.200]
يعني بقوله جل ثناؤه: { فإذا قضيتم مناسككم } فإذا فرغتم من حجكم فذبحتم نسائككم، { فاذكروا الله } يقال منه: نسك الرجل ينسك نسكا ونسكا ونسيكة ومنسكا إذا ذبح نسكه، والمنسك: اسم مثل المشرق والمغرب. فأما النسك في الدين، فإنه يقال منه ما كان الرجل ناسكا، ولقد نسك، ونسك نسكا ونسكا ونساكة، وذلك إذا تقرأ. وبمثل الذي قلنا في معنى المناسك في هذا الموضع قال مجاهد. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فإذا قضيتم مناسككم } قال: إهراقة الدماء. وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. وأما قوله: { فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } فإن أهل التأويل اختلفوا في صفة ذكر القوم آباءكم الذين أمرهم الله أن يجعلوا ذكرهم إياه كذكرهم آباءهم أو أشد ذكرا، فقال بعضهم: كان القوم في جاهليتهم بعد فراغهم من حجهم ومناسكهم يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فأمرهم الله في الإسلام أن يكون ذكرهم بالثناء والشكر والتعظيم لربهم دون غيره، وأن يلزموا أنفسهم من الإكثار من ذكره نظير ما كانوا ألزموا أنفسهم في جاهليتهم من ذكر آبائهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، عن القاسم بن عثمان، عن أنس في هذه الآية، قال: كانوا يذكرون آباءهم في الحج، فيقول بعضهم: كان أبي يطعم الطعام، ويقول بعضهم: كان أبي يضرب بالسيف، ويقول بعضهم: كان أبي جز نواصي بني فلان. وحدثني محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد العزيز، عن مجاهد قال: كانوا يقولون: كان آباؤنا ينحرون الجزر، ويفعلون كذا، فنزلت هذه الآية: { اذكروا الله كذكركم آباءكم أو اشد ذكرا }. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل: { فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } قال: كان أهل الجاهلية يذكرون فعال آبائهم. حدثنا أبو كريب، قال: سمعت أبا بكر بن عياش، قال: كان أهل الجاهلية إذا فرغوا من الحج قاموا عند البيت فيذكرون آباءهم وأيامهم: كان أبي يطعم الطعام، وكان أبي يفعل، فذلك قوله: { فاذكروا الله كذكركم آباءكم }. قال أبو كريب: قلت ليحيى بن آدم: عمن هو؟ قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل. وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرني حجاج عمن حدثه، عن مجاهد في قوله: { اذكروا الله كذكركم آباءكم } قال: كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا عند الجمرة فذكروا آباءهم، وذكروا أيامهم في الجاهلية وفعال آبائهم، فنزلت هذه الآية.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد في قوله: { فاذكروا الله كذكركم آباءكم } قال: كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا عند الجمرة، وذكروا أيامهم في الجاهلية وفعال آبائهم. قال: فنزلت هذه الآية. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم } قال: تفاخرت العرب بينها بفعل آبائها يوم النحر حين فرغوا فأمروا بذكر الله مكان ذلك. حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم } قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا قضوا مناسكهم بمنى قعدوا حلقا، فذكروا صنيع آبائهم في الجاهلية وفعالهم به، يخطب خطيبهم ويحدث محدثهم، فأمر الله عز وجل المسلمين أن يذكروا الله كذكر أهل الجاهلية آباءهم أو أشد ذكرا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } قال: كانوا إذا قضوا مناسكهم اجتمعوا فافتخروا وذكروا آباءهم وأيامها، فأمروا أن يجعلوا مكان ذلك ذكر الله، يذكرونه كذكرهم آباءهم، أو أشد ذكرا. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن خصيف، عن سعيد بن جبير وعكرمة قالا: كانوا يذكرون فعل آبائهم في الجاهلية إذا وقفوا بعرفة، فنزلت هذه الآية. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول ذلك يوم النحر حين ينحرون قال: قال { فاذكروا الله كذكركم آباءكم } قال: كانت العرب يوم النحر حين يفرغون يتفاخرون بفعال آبائها، فأمروا بذكر الله عز وجل مكان ذلك. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فاذكروا الله كذكر الأبناء والصبيان الآباء. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر ، قال: ثنا شعبة، عن عثمان بن أبي رواد، عن عطاء أنه قال في هذه الآية: { كذكركم آباءكم } قال: هو قول الصبي: يا أباه. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { فاذكروا الله كذكركم آباءكم } يعني بالذكر، ذكر الأبناء الآباء. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال لي عطاء: { كذكركم آباءكم }: أبه أمه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا صالح بن عمر، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: كالصبي يلهج بأبيه وأمه. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: { فإذا قضييتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } يقول: كذكر الأبناء الآباء أو أشد ذكرا.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } يقول: كما يذكر الأبناء الآباء. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { كذكركم آباءكم } يعني ذكر الأبناء الآباء. وقال آخرون: بل قيل لهم: { اذكروا الله كذكركم آباءكم } لأنهم كانوا إذا قضوا مناسكهم فدعوا ربهم لم يذكروا غير آبائهم فأمروا من ذكر الله بنظير ذكر آبائهم. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } قال: كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقاموا بمنى يقوم الرجل فيسأل الله ويقول: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة عظيم القبة كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيت أبي. ليس يذكر الله، إنما يذكر آباءه، ويسأل أن يعطى في الدنيا. والصواب من القول عندي في تأويل ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر عباده المؤمنين بذكره بالطاعة له في الخضوع لأمره والعبادة له بعد قضاء مناسكهم. وذلك الذكر جائز أن يكون هو التكبير الذي أمر به جل ثناؤه بقوله:
واذكروا الله في أيام معدودات
[البقرة: 203] الذي أوجبه على من قضى نسكه بعد قضائه نسكه، فألزمه حينئذ من ذكره ما لم يكن له لازما قبل ذلك، وحث على المحافظة عليه محافظة الأبناء على ذكر الآباء في الإكثار منه بالاستكانة له والتضرع إليه بالرغبة منهم إليه في حوائجهم كتضرع الولد لوالده والصبي لأمه وأبيه، أو أشد من ذلك إذ كان ما كان بهم وبآبائهم من نعمة فمنه وهو وليه. وإنما قلنا: الذكر الذي أمر الله جل ثناؤه به الحاج بعد قضاء مناسكه بقوله: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } جائز أن يكون هو التكبير الذي وصفنا من أجل أنه لا ذكر لله أمر العباد به بعد قضاء مناسكهم لم يكن عليهم من فرضه قبل قضائهم مناسكهم، سوى التكبير الذي خص الله به أيام منى. فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلوما أنه جل ثناؤه قد أوجب على خلقه بعد قضائهم مناسكهم من ذكره ما لم يكن واجبا عليهم قبل ذلك، وكان لا شيء من ذكره خص به ذلك الوقت سوى التكبير الذي ذكرناه، كانت بينة صحة ما قلنا من تأويل ذلك على ما وصفنا. القول في تأويل قوله تعالى: { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق }. يعني بذلك جل ثناؤه: { فإذا قضيتم مناسككم } أيها المؤمنون { فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } وارغبوا إليه فيما لديه من خير الدنيا والآخرة بابتهال وتمسكن، واجعلوا أعمالكم لوجهه خالصا ولطلب مرضاته، وقولوا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ولا تكونوا كمن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، فكانت أعمالهم للدنيا وزينتها، فلا يسألون ربهم إلا متاعها، ولا حظ لهم في ثواب الله، ولا نصيب لهم في جناته وكريم ما أعد لأوليائه، كما قال في ذلك أهل التأويل.
Page inconnue