Intisar
الأنتصار على علماء الأمصار - المجلد الأول حتى 197
Genres
ومن توقف في مسألة فليس له مذهب فيها من جهة أن المذهب ليس إلا الاعتقاد أو الظن، ومن وقف فليس معتمده إلا تعارض الأدلة واستواؤها في حقه من غير ترجيح، فلهذا توقف فهو لا يفتقر إلى إيضاح مذهبه بالدلالة، إذ لا مذهب له كما قررناه، وغالب ظني أن توقف الشافعي في الماء المستعمل، إنما هو في كونه مطهرا لا في طهارته، ولهذا فإن تردده إنما هو في كونه مطهرا رافعا للأحداث ومزيلا للنجاسات في اختلاف أقواله كما سنحكيها، لا في كونه طاهرا فإنه لم يحك عنه تنجيسه، وظاهر توقفه مطلقا، والأقرب أنه يجب حمله على ما قلناه.
مسألة: وإذا وجب الحكم بطهارته كما قلناه، فهل يكون مطهرا لغيره أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول منهما: أنه طاهر مطهر، وهذا هو رأي المؤيد بالله أخيرا، ومحكي عن الحسن البصري والزهري (¬1) والنخعي وداود، وهو مروي عن الإمامية، وحكى عيسى بن أبان (¬2)، عن الشافعي: أنه مطهر، ورواية عن مالك، ورواية عن أبي حنيفة.
والحجة [الأولى] على ذلك: ما روي عن النبي ، (( أنه اغتسل من الجنابة فبقي في يديه لمعة فأخذ الماء الذي بقي في شعره فدلكها به))، وهذه هي صورة الماء المستعمل فإن أصل ذلك قد كان أدى به غسل الجنابة ولا فائدة للمستعمل إلا ما ذكرناه، فما هذا حاله نص لا احتمال فيه.
الحجة الثانية: ما ذكرناه من قبل، أن الصحابة كانوا يبتدرون وضوء رسول الله ، فيغسلون به وجوههم وأيديهم، فكما هو دال على طهارته كما أسلفنا تقريره، فهو دال على كونه مطهرا وهو مرادنا.
الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه أحد ما يشترط في تأدية الفروض فلا يخرج عن حكمه بتأدية الفرض به كالثوب فإنه يصلى به مرارا.
Page 244