ويستطيع القارئ إذن أن يتخيل مبلغ السخط الذي أثارته في نفوسنا رؤية الهلباوي أمامنا وجها لوجه في دار الجريدة، يوم ألقى الأستاذ لطفي السيد بك خطابه الذي أشرنا إليه في الكلام على صاحب «المؤيد».
لقد كان اغتباطي شديدا بما أصابه من الأذى في ذلك اليوم، ولكني أقول إنصافا له: إننا رأينا في الرجل شجاعة لم نرها في غيره من المقصودين بالهتاف العدائي ذلك المساء ... فقد أوى بعضهم إلى حجرات الدار حتى اطمأن إلى انصراف الجمهور الغاضب، وأبى الهلباوي إلا أن يقتحم الجمع خارجا من الدار في إبان الهياج، ولم يحفل بما تعرض له في طريقه من اللكم والإيذاء.
وغاب الهلباوي زمنا عن ميدان السياسة، ثم ظهر بعد الثورة الوطنية معارضا لسعد زغلول، وكانت المساجلات بين الأحزاب يومئذ على أعنفها ... ولكني أشهد القارئ أنني ما وجدت القلم ينبعث في يدي انبعاثا إلى القول القارص العنيف ، كما كان ينبعث في الرد على خطب الهلباوي وأحاديثه، فردودي عليه فيما أعتقد كانت أعنف ما كتبت على الإطلاق ...
ثم مضت الأيام، وشاء القدر أن يكون للهلباوي شأن في موقف من أهم المواقف في حياتي السياسية؛ لأنه الموقف الذي اعتزمت فيه جديا أن أترك الهيئة الوفدية مستقلا عن جميع الأحزاب ...
كان الوفد والأحرار الدستوريون مؤتلفين على عهد الوزارة الصدقية التي عدلت الدستور ...
وجاء اليوم الثالث عشر من شهر نوفمبر، فعقد الأحرار الدستوريون اجتماعا في دار حزبهم، وذهبنا إليهم تأييدا لمظهر الائتلاف ...
وإذا بالهلباوي هو خطيب الاجتماع ...
وإذا بي جالس أمامه على قيد خطوة واحدة، وإذا به يحتال في كلامه ليهملني عند مناسبة ذكري، ويتجاوز الإهمال إلى التعريض ...
وعلقت على الخطبة في اليوم التالي، ورآها فرصة سانحة لإرغامي باسم الائتلاف ...
وجاءتني دعوة إلى بيت الأمة حيث يجتمع طائفة من أعضاء الوفد على رأسهم مصطفى النحاس (باشا).
Page inconnue