قال لي عظيم من عظماء هذا العصر الذين حضروا كثيرا من تلك الأحاديث، أو تلك الدروس - وكانت كل أحاديث جمال الدين من قبيل الدروس: إن السيد كان يتكلم يوما عن بعض الرذائل التي تصيب الجسد والنفس الناطقة، وبعض الرذائل التي تصيب الجسد، ولا تمس النفس الناطقة ...
فقاطعه الهلباوي قائلا: يا خبر! وهل السيد من هؤلاء؟ فانتفض السيد مغضبا وصاح به: اغرب عني أيها الخبيث ... لعنة الله عليك!
والهلباوي الذي تدل عليه هاتان النادرتان هو الهلباوي الذي عرفه الناس طوال حياته ، ويمكنك أن تلخصه في عبارة واحدة، وهي أنه - رحمه الله - كان «ذلاقة لسان لا تطيق نفسها، ولا تريح صاحبها.»
ومن هذه الذلاقة المتعجلة كان يؤخذ الهلباوي في كل ما هو مأخوذ عليه ...
سمعنا عنه قبل أن نراه، أو نستمع عنه ممن رآه ...
كان أشهر المحامين بين الفلاحين بلا استثناء، وكان من آيات شهرته أنها دخلت في «النكتة المصرية» ... فكان الذين يساومون القصابين في شراء لسان الذبيحة يقولون إذا اشتط عليهم القصاب في الثمن: والله ولا لسان الهلباوي.
وسمعنا بشهرته كاتبا كما سمعنا بشهرته محاميا، فكان عنوان مقالاته «إلى أي طريق نحن مسوقون؟» يتردد على كل لسان، وكنا نسمع به وإن لم نقرأ تلك المقالات ...
ثم أدركته آفة التعجل وقلة الاستقرار، فتحول في الوطنية إلى خطة «الاعتدال»، وفسر الاعتدال بمصانعة الاحتلال ...
ثم كانت الطامة الكبرى، ونعني بها «قضية دنشواي» التي وقف فيها موقفا ظل نادما عليه طول حياته ...
وعن قضية دنشواي قلت في كتابي سعد زغلول: «لقد كنا أربعة نقرأ وصف التنفيذ في أسوان، فأغمي على واحد منا، ولم نستطع إتمام القراءة إلا بصوت متهدج تخنقه العبرات.»
Page inconnue