476

Les Illuminations de La Mecque

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Maison d'édition

دار إحياء التراث العربي

Édition

الأولى

Année de publication

1418هـ- 1998م

Lieu d'édition

لبنان

Régions
Syrie
Empires & Eras
Ayyoubides

أجمعوا أن عليه القضاء والكفارة وقيل لا يجب عليه إلا القضاء فقط لأن الكفارة في ذلك لم تكن عزمة لقرائن الأحوال لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره عند عدم العتق والإطعام أن يصوم ولا بد إذ كان صحيحا ولو كان مريضا لقال له إذا وجدت الصحة فصم وقال قوم ليس عليه إلا الكفارة فقط ليس عليه قضاء والذي أذهب إليه أنه لا قضاء عليه واستحب له أن يكفر إن قدر على ذلك والله أعلم بحكمه في ذلك الاعتبار القدرتان تجتمعان على إيجاد ممكن من ممكن فيما ينسب من ذلك إلى العبد في الفعل عن كل من لا يصل عقله إلى معرفة ذلك إما بعتق رقبة من الرق مطلقا أو مقيدا فإن أعتقه من الرق مطلقا فهو أن يقيم نفسه في حال كون الحق عينه في قواه وجوارحه التي بها تميز عن غيره من الأنواع بالصورة والحد وإذا كان في هذا الحال وكان هذا نعته كان سيدا وزالت عبوديته مطلقا لأن العبودية هنا راحت إذ لا يكون الشيء عبد نفسه فهو هو قال أبو يزيد في تحقق هذا المقام مشيرا تاليا ' إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ' هذا أوحى الله به لموسى وهو خطاب يعم الخلق أجمعين وأما إن كان العبد مقيدا فهو أن يعتق نفسه من رق الكون فيكون حرا عن الغير عبدا لله فإن عبوديتنا لله يستحيل رفعها وعتقها لأنها صفة ذاتية له واستحال العتق منها في هذه الحال لا في الحال الأول وقد نبه على ذلك بقوله تعالى قل اللهم مالك الملك فسماه ملكا ليصح له اسم المالك ولم يقل مالك العالم وقال أيضا وهو من باب الإشارة والتحقيق ' قل أعوذ برب الناس ملك الناس ' فمن باب التحقيق لما سماهم الناس ولم يسمهم باسم يقتضي لهم أن يكونوا حقا أضاف نفسه إليهم باسم الملك ومن باب الإشارة اسم فاعل من النسيان معرفا بالألف واللام لأنه نسي أن الحق سمعه وبصره وجميع قواه في حال كونه كله نورا وهو المقام الذي سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه أن يقيم فيه أبدا فقال ' واجعلني نورا ' فإن الله من أسمائه النور بل هو النور للحديث الثابت نور أنى أراه وقد صحفه بعض النقلة فقال نوراني أراه فحصل في هذا التصحيف معنى بديع وهو إذا جعل عبده نورا فيرى الحق فيه ومنه فعند ذلك يكون نورانيا لا غير فهو في ذاته نور وفي عبده نوراني فافهم ما قلنا فلما لم يتذكر الناسي هذه الحال وهو في نفسه عليها غافل عنها خاطبه الحق مذكرا له بها في القرآن الذي تعبده بتلاوته ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ما كانوا قد نسوه فهذا يدلك على أنهم كانوا على علم متقدم في شيئية الثوبت وأخذ العهد وأما الإطعام في الكفارة فالطعام سبب في حفظ الحياة على متناوله فهو في الإطعام متخلق بالاسم المحيي لما أمات بما فعله عبادة لا مثل لها كان عليها فكان منعوتا بالمميت في فعلها لأنه تعمد ذلك فأمر بالإطعام ليظهر اسم المقابل الذي هو المحيي فافهم وأما صوم شهرين في كفارته فالشهر عبارة في المحمديين عن استيفاء سير القمر في المنازل المقدرة وذلك سير النفس في المنازل الإلهية فالشهر الواحد يسير فيها بنفسه ليثبت ربوبية خالقه عليه عند نفسه والشهر الآخر يسير فيه بربه فإنه رجله التي يسعى بها من باب أن الحق جميع قواه وجوارحه فإنه بقواه قطع هذه المنازل والحق عين قواه فقطعها بربه لا بنفسه وأما قول هذا الفاعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضحكه علامة على خفة الأمر ولما علم أن الحق أنطقه وما أراد ذلك الناطق وإن جهله ذلك الأعرابي فكأنه قال له في قوله كفر بالصوم أي كن حقا فنطق أن يقول من الحق أتى علي فإني لما كنت حقا زال التكليف عني فإن الحق لا يكلف فلماذا تبقيني حقا أنزلني إلى العبودية فأوجب علي الكفارة التي هي الستر أي لأتذكر أنك عصيتني بي ولهذا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أتعطيها لأفقر مني ما بين لابتيها أفقر مني فأضاف كمال الفقر إليه لأنه رجع إلى العبودية عن سيادته فعظم ذله وفقره فإن استصحاب الفقر لا ألم له في الفقير مثل ألم من كان غنيا ثم يفتقر فإن ألمه أشد والحسرة عنده أعظم فإن حكمه حكم من استؤسر وكان حرا فيجد ألم الأسترقاق لكونه حصل فيه عن حرية .

من كان ملكا فعاد ملكا . . . قد حاز هلكا ومات فتكا والعبد الأصلي المؤثل القن لا يجد ذلك فلهذا قال ما بين لابتيها أفقر مني أنطقه الله بذلك من حيث لا يشعر حتى يكون مناسبا لما أنطقه به أيضا في قوله من الصوم أتى علي فانظر حكمة الله في إجراء هذه الحقائق في عباده من حيث لا يشعرون فهو المتكلم على الحقيقة لا هم فهذا حكم الكفارة على من هذا فعله والحمد لله قد دخل في هذا جميع الأقوال التي ذكرنا في هذه المسئلة إذا تدبرتها فلا حاجة للإطالة في ذلك فإنه كالتكرار وإن كان ذكرها يتضمن فوائد زائدة على ما ذكرنا لاختلاف النسب ولكن يكفي هذا في اعتبار هذه المسئلة .

Page 744