L'État ottoman avant et après la constitution
الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده
Genres
وإننا - بلا ريب - لم نكن نلام على ذلك الجهل في ذلك الحين، وقد يحصل مثل هذا التطرف في أعظم بلاد الحضارة. ولكننا الآن في مركز حرج لا يسعنا إلا أن نرمي فيه إلى غاية واحدة، فنعلم أن كل مبعوث هو منتدب للنظر في جميع شئون البلاد، وأن مصالح الولاية التي انتخبته - إذا كان لها مصالح خاصة - لا تأتي إلا في الدرجة الثانية. وأنه كلما خفف عنه منتخبوه من مطالبهم الخاصة زادوه مقدرة على خدمتهم ونفعهم.
وهو معلوم أيضا أن لدى الدولة من المشاكل السياسية ما لا يقتضي من الهمة والحكمة دون ما اقتضاه نيل هذا الدستور، ولقد علمنا من تاريخ مجلس المبعوثان الأول أن بعض أعضائه كانوا بتهورهم عونا لأعداء الدولة على بلوغ غاياتهم منها، وعضدا لحزب التقليد على التعجيل في فض ذلك المجلس إلى أجل غير مسمى. فكفى بما مضى عبرة لنا وعظة، ورجاؤنا أن يتخذ الأعضاء التأني والتروي شعارا متجردين عن المصالح الخاصة غير طامعين بكسب الشهرة من وراء المناقشات الطويلة التي لم يحن بعد زمنها، فإننا الآن أحوج إلى تلقي الدروس منا إلى إلقائها بالخطب واللوائح، وحسب الأعضاء مراقبة أعمال الحكومة بعين محتاطة وفكر نقاد لا يهيج إلا خطأ يبدو لديه، فيشير إليه إشارة المصلح الحكيم.
وإن جميع أبناء هذه الأمة المخلصين عالمون الآن أن المجال متسع للأعداء والحساد لتحين الفرص لتمزيق شمل هذه الشعوب التي تضامت بعد التخاذل الطويل. وإن الأيدي ممتدة من كل جانب إلى استحياء التعصب الديني والتعصب الجنسي وإيقاظ أبالسة الفتن، فإذا لم تقطع هذه الأيدي قبل أن تجد لها متمسكا تتشبث به كانت الحالة الأخرى أشر من الأولى، وإلا فإن قيض لنا الله قطعها مذ الآن كان لنا الفوز المقيم والظفر الثابت.
لم يمر على العالم منذ خلقه الله زمن خطا فيه العلم مثل خطواته في السنين الثلاثين التي انقضت، فإن عقول البشر سرحت كل مسرح، فوسعت المعارف المعقولة والمنقولة فمحصت التاريخ وضربت في مجاهل الأرض وسهلت العلوم القديمة وأوجدت علوما جديدة في كل باب من أبواب المادة والاجتماع، وفتحت للعمران سبلا لم تكن في الحسبان، وحامت حول المجهولات حومة استجلت بها الكثير من غوامض الطبيعة، واكتنفت الاختراع والاكتشاف من كل جوانبهما فطافت بهما وجه البسيطة، وخرقت قلب الأرض، وغاصت في أعماق البحار، وطارت في الهواء، وامتطت لب الأثير فتجاوزت إلى الأفلاك. وضمت كل ذلك إلى ما ادخره لها الأقدمون، وهي لا تزال دائبة ساعية إلى حيث لا يعلم إلا الله، كل هذا ونحن في هذه الحركة المستمرة جامدون خاملون يتلقاها العالم أجمع بوجه بشوش ونحن نصدها عن اجتياز بلادنا، وما هي إلا شرارات متناثرة قذفتها علينا في سيرها وتجاوزتنا إلى أقاصي الأرض، فلبثنا حيث نحن والعالم في سير حثيث.
ولرب قائل يزعم أن في القول مبالغة لأن حالة العلم عندنا الآن أرقى منها منذ ثلاثين سنة، ولكن أين هذا الترقي مما كان يجب أن يكون؛ إذ ليست الدرجة التي صعدناها بالشيء المذكور في هذا السلم المترامي إلى السماء أو لا تزال بيننا طوائف بل شعوب برمتها تائهة في بحران الجهل والغباوة، أو لا تزال طبقتها الراقية نفسها متأثرة من نتائج الضغط والعسف في هذا الزمن الطويل.
وقد كانت الدنيا تعذرنا كل العذر فيما مضى، أما الآن وقد تقوضت الحواجز فما عسى أن يكون العذر، وهذه الفرص قد حانت، فلئن لم نتشبث بأذيالها غادرتنا هذه المرة وهيهات أن تعود.
تلك أمور أدركها جميع أبناء الطبقة الراقية من العثمانيين، ولهذا نراهم متحرقين غيرة على حفظ ربط الوئام الذي لا تقوم دعامة لهذا الملك الضخم بدونه، وإنهم - بلا ريب - يقاومون بمجامع قواهم ما ربما يبدو من مساعي سفلة الغوغاء الذين يقصرون عن إدراك نبالة تلك الغاية السامية ولا نخالهم إلا غانمين ظافرين.
يقول الحساد والمبغضون من أعدائنا والقانطون الخاملون من إخواننا: هيهات أن يتسنى استحياء هذا الشبح الضئيل ، وقد عرفه العالم بالجسم العليل ، نخر الفساد عظمه وأعمى العجز بصره وغشي الجهل على بصيرته وضرب الاستبداد على مجموع قواه فانحلت، واستحكم التخاذل بين أعضائه فأوشكت أن تتمزق، فأنى له أن يستجمع قواه وتنبعث فيه روح جديدة.
فهل فات هؤلاء الشامتين والمشفقين أن داءنا لم يكن بالداء العضال على ما تصوروه، وأن علتنا لم تتجاوز الأطراف إلى القلب والدماغ، بل هي قروح غشيت أجزاء الجسم الظاهرة فشوهت منظره وأقعدته برهة عن الحركة، فخيل للناظر أنه قد قضي عليه مع سلامته من كل علة قتالة، فإذا علم أن كل تلك القروح كانت ناشئة عن وخز إبر الاستبداد، وأن تلك الإبر قد اقتلعت وكسرت وذر بلسم الدستور فألأم تلك الجراح الدامية هان علينا أن نثق بالشفاء التام والانبعاث في ميدان الحياة بقوة الجسم الصحيح.
ولا يهولن العثمانيين وأصدقاءهم ما يرون من البون الشاسع بينهم وبين الأمم العريقة في المدنية، فإن السبل التي تفتحت لأولئك بالجهد والعناء هي بادية متسعة لنا، نلج منها ما شئنا، وباب الاختيار متسع لنا أكثر منه لهم.
Page inconnue