L'État ottoman avant et après la constitution
الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده
Genres
نظرة عامة - مجلس المبعوثان في السنة الأولى - الدولة العثمانية بعد خمس وعشرين سنة
هذه عجالة سطرناها في شئون البلاد العامة عبرة وذكرى، وهذا ما تراءى لنا وجوب الخوض فيه إبان هذا الانتقال الغريب والانقلاب العجيب، وإن هو إلا قطرة من عباب المباحث التي يجب على كتاب العثمانيين أن يخوضوا غمارها استلفاتا لأنظار إخوانهم وحكومتهم إلى كل فرع من فروع الإصلاح مما يتناول البلاد برمتها، أو ينحصر خاصة في كل قطعة منها.
ونخالنا أدينا فرضا واجبا وتوخينا الصدق والإخلاص في كل ما تقدم، ولم نتسرع إلى بسط شيء من شئون العناصر المختلفة التي يتألف منها مجموع هذه الأمة والخطط الخاصة التي يجب أن تنتهج حتى تندمج اندماجا لا يعقبه تفرق وتخاذل، ولا إلى النظر إلى علاقات العثمانيين بمن عداهم من الأمم القريبة والبعيدة. وفي الجملة لم يكن من غرضنا الآن التعرض إلى شيء من أحوال السياسة الداخلية والخارجية، فإن لدينا من بواعث الإصلاح الداخلي بالنظر إلى موارد الثروة ودواعي التضام والتضامن لأجل إدراك حقيقة الحرية والدستور ما هو أدعى للبحث العاجل وأوسع مجالا لأقلام الكتاب.
لا يتوهمن أبناء الوطن العزيز أن الدستور نعمة أتتهم عفوا، فلئن أعلن واستقبل ولم تهرق يوم إعلانه الدماء، وقال الناس تلك أعجوبة لم يأت الزمان بمثلها، فإنما هو قول صادق بالنظر إلى منتهى أدواره وإلى الحكمة الباهرة التي ازدان بها رؤساء هذه الحركة، وما أبرزوه من التجرد عن الغايات والمطامع، فحقنوا الدماء التي كانت موشكة أن تتدفق سيولا.
وإلا فإن من تتبع سير الحوادث التي أدت إلى إعلان الدستور يعلم علم اليقين أن جهاد الأحرار لم يزل مستمرا منذ عشرات السنين، وإن دماء أبناء تركيا الفتاة ودماء أنصارهم وغير أنصارهم سالت أنهرا طامية قبل بلوغ هذه الأمنية.
ومع هذا فإننا لم نزل في أول ميدان الجهاد والعقبات الصعاب تكنفنا من كل جانب، ونصراء الاستبداد غير مائتين، وإنما هي استماتة وقتية يرتقبون الفرص في أثنائها، ولهم من أبناء التقليد البحت وحزب التقهقر الأعمى عون قوي يلتف حولهم أيان تسنى لهم الأمر، والأصفر الوضاح ما زال يبذل سرا لعرقلة المساعي التي يقوم بها دعاة الإصلاح، وللدولة من المشاغل السياسية ما يجعل أسرة البغاة بارقة أملا باستعادة شيء من ماضي رفعتهم وساقط نفوذهم.
فإذا علم العثمانيون ذلك وثبت لهم من كل أعمال حكومتهم الجديدة أنها غير ذاخرة وسعا في كل ما يئول إلى منفعة هذه الأمة، وأن رجالها - لكثرة أعمالهم - لا يكادون يملكون الوقت الكافي للاشتغال بالمهام المطروحة على بساط البحث والتدبير؛ وجب عليهم أن لا يقلقوهم بالمطالب الفارغة والتشكيات التافهة والشغب الداخلي، فالوقت ثمين والفرص فرارة، وهذا الحين حين التفرغ للإصلاح، فإذا وضعت دعائمه واستقرت أركانه فليشتغل أبناء هذه الأمة وليشغلوا حكومتهم بما شاءوا من معدات الزينة وزخرف الكماليات.
ولما كان مجلس المبعوثان ممثلا لمجموع الأمة وشعارا حيا للحكومة الدستورية كان من المنظور أيضا أن تتألب عليه قوى أعداء الدولة من الخارج وأعداء الإصلاح من الداخل، وسيتخذون لهم عونا منه عليه، ويجهدون النفس بإثارة الشقاق بين أعضائه وبينهم وبين الحكومة، ويستسهلون الأمر بالنظر إلى أنه لم يسبق لأحد من أعضائه الانخراط في مثل هذا السلك الدقيق، وأن أول ما يتذرعون به إلى نيل بغيتهم بث روح التهور ودعوة الأعضاء إلى مناهضة الحكومة.
على أننا لا نخال المبعوثين - وهم من صفوة أبناء الأمة - ينقادون إلى تلك الدسائس، ولا نخالهم إلا شاعرين جميعا أن أوقاتهم في الأربعة الأشهر من السنة الأولى لاجتماعهم لا تكاد تكفي للنظر في اللوائح الإصلاحية المعدة لهم، والتي ستطرح أمامهم للبحث فيقضون جلسات السنة الأولى في النظر إلى موارد الإصلاح العاجل، فيفيدون الفائدة اللازمة ويخدمون الخدمة الصحيحة ويستفيدون من الاختبار ما يؤهلهم إلى اقتراح ما شاءوا من الإصلاح في السنين المقبلة إلا ما تراءى لهم به حاجة ماسة إلى عدم التأجيل مما أغفلته الحكومة، وهذا - بلا ريب - أقل من القليل.
وإذ كان يرجى من مجلس المبعوثان ولا سيما في السنة الأولى أن لا يزعج الحكومة بما يصرفها عن التفرغ للإصلاح كان من الواجب أيضا على أبناء الأمة أن لا يزعجوا الأعضاء بما يصرفهم عن التفرغ لمهمتهم، فلقد أيد لنا الاختبار باجتماع المجلس الأول سنة 1876 أن أبناء كل ولاية كانوا يظنون مبعوثهم منتدبا عن منتخبيه لا غير، ومأمورا بإنفاذ جميع رغائبهم وإبلاغ تشكيات أفرادهم مهما كانت، حتى لقد كانت الرسائل في بعض الولايات تنهمر كالمطر على رءوس مبعوثيها حاملة من المطالب ما لو طرحه المبعوث للبحث لما ناله إلا هزء رفاقه أجمعين، فمن طالب عزل خصم له وإحالة مأموريته إليه، ومن ملتمس رتبة ونشانا، ومن راغب في إصدار أمر لوال بإلقاء نظرة عليه أو إلى مشير بجعله ملتزما للأرزاق العسكرية، حتى كان من جملة تلك المطالب أن مكاريا سرقت دابته فكتب إلى منتدب ولايته أن يأمر بإعادتها إليه.
Page inconnue