556

Les Épouses de l'Éloquence sur les Réalités du Coran

عرائس البيان في حقائق القرآن

Régions
Iran
Empires & Eras
Abbassides

علم الله تعالى أدب الرضا ، والسؤال في هذه الاية الصادقين والعارفين والمريدين.

قال إبراهيم بن أدهم : من رضي بالمقادير لم يغتم.

وقال فضيل الراضي : لا يتمنى فوق منزلته.

ثم إن الله تعالى لما دس رغام الحرمان في أفواه المدعين بمقام الإيمان والمعرفة ، الذين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم ما خص الله به الروحانيين والربانيين ، مما ألزم على أعناق أهل الدنيا الذين يجمعونها من سهم الزكاة ذكر أنه استأثره لأهل المراقبات والمشاهدات ، وغيرهم من أهل المقامات بقوله : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ): إن الله سبحانه قسم هذه الجوائز من فضله ولطفه على أهل معرفته ، رحمة منه عليهم بعلمه أنهم غائبون في أودية فردانيته ، المستغرقون في بحار وحدانيته ، والهون من حبه هائمون ، ومن شوقه لا يطيقون أن يشتغلوا بما لا بد لهم من كثيرات حريقات ؛ ليأخذوا كلهم على قدر مراتبهم من سهام ما رزقهم الله حلالا طيبا مما أوجبه على طلاب الدنيا ، وحذر أهل الدنيا من عذابه الأليم ، إذ يقصرون في إعطاء الزكاة إلى هؤلاء السادة يطيب نفوسهم ، ونشاط قلوبهم وبين عدد أهلها.

وقسمهم ثمانية أقسام ، وجعل أولهم الفقراء ، وحسم أطماع غيرهم عن هذه السهام.

وقال : ( إنما الصدقات للفقراء ): ومن بعدهم من أصناف الثمانية ، ودليل الخطاب أن هذه لهم لا لغيرهم بدأ بالفقراء ، وهم : المتجردون بقلوبهم وأبدانهم عن الكونين والعالمين ، المنعوتون بنعت التنزيه حيث وقعوا في قدس القدم ، فاتصفوا بقدسيته ، وتنزهوا بتنزهيه ، وانفردوا بفردانيته يفتقرون إلى وصال الأبد.

( والمسكين ): هم الذين سكنوا في حجاب الأنس بنور القدس ، حاضرين في العبودية بنفوسهم ، غائبين في أنوار الربوبية بقلوبهم ؛ لذلك اختار المسكنة سيد فرسان العالمين محمد صلى الله عليه وسلم بقوله : «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا وأحشرني في زمرة المساكين» ، وأنشد :

مساكين أهل الأرض شاقت قلوبهم

فهم أنفس عاشوا بغير قلوب

( والعاملين ): أهل التمكين من العارفين ، وأهل الاستقامة من الموجدين الذين وقعوا في نور البقاء ، فأورثتهم البسط والانبساط ، فيأخذون منه ويعطون له ، وهم خزائن خزائن جوده ، المشفقون على أوليائه ، قلوبهم معلقة بالله لا بغيره من العرش إلى الثرى.

( والمؤلفة قلوبهم ): هم المريدون الذين سلكوا طريق محبته برقة قلوبهم ، وصفاء نياتهم ، وبذلوا مهجتهم في عساكر ميادين شوقه ومحبته وعشقه ، وهم عند الأقوياء ضعفاء الأحوال ، يحفهم الله هذه التحفة في مواساة حظوظهم ، واستجلاب نشاط نفوسهم في

Page 26