Les Épouses de l'Éloquence sur les Réalités du Coran
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : ( فالتقمه الحوت وهو مليم ) (1): كان يونس عليه السلام من أهل التوحيد والمعرفة والعشق ، وكان يسبح في بحار الألوهية والربوبية ، ويجد منها جواهر الأزليات والأبديات ولآلئ أسرار المعارف والكواشف ، فبلغ قعر عين الأولية والآخرية ، وصار متلاشيا في لجج بحار الذات ، وخارجا بنعوت الاتحاد من لجج الصفات ، وكاد يدعي ما يدعي أهل السكر في الأنائية ، فالتقمه حوت قهر غيرة الإلهية ، وهو ملام حيث ما انسلخ من أوصاف الحدوثية ، وكاد يبقى في بطن حوت القهر ، فأغاثه عرفان بقاء الحق بعد عرفانه بفنائه فيه ، ونجاه من طوفان قهر الأزل ، ولم يبق في الحيرة والغيرة بقوله : ( فلو لا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) (144) أي : فلولا كان من العارفين بقدم الأزل وتنزيه الأبد للبث في حجاب الغيرة ، وفيه حقيقة شطح العارفين أنه كان عليه السلام في حجال الخلوة في بطن الحوت ، وهي كانت له معاريج مشاهدة القدم أي : لولا أنه كان من الأنبياء والمتمكنين من أهل القدوة والأسوة لبقي في مشاهدة القدم إلى يوم البعث ، إلى محشر مساقط تجلي الجلال والجمال التي قال سبحانه : ( وأشرقت الأرض بنور ربها )، ولكن كان رحمة البلاد والعباد ؛ ليعرفهم منازل الأبرار والأتقياء ومقام العبودية والربوبية.
وقال سهل : من المسبحين من القائمين بحقوق الله قبل البلاء.
قال ابن عطاء : من العارفين بنا المتعرفين إلينا قبل وقوع ما وقع.
( وما منا إلا له مقام معلوم (164))
قوله تعالى : ( وما منا إلا له مقام معلوم ): أهل البدايات في مقام الطاعات والأوساط في المقامات ، مثل التوكل والرضا والتسليم ، والمحبون في مقام الحالات والمواجيد ، وأهل المعرفة في مقام المعارف ينقلون في المشاهدة من مقام إلى مقام ، ولا يبقى المقام للموحدين ؛ فإنهم مستغرقون في بحار الذات والصفات ، وليس لهم مقام معلوم ؛ لأن هناك لم يكن لهم وقوف ؛ حيث أفناهم قهر الجلال والجمال والعظمة والكبرياء عن كل ما وجدوا من الحق ، فبقوا في الفناء إلى الأبد.
قال ابن عطاء : لك مقام المشاهدة ، ولهم مقام الخدمة.
Page 182