118

وهذه في الظاهر نقائض، وفي الحقيقة واجبات متعددة، كل منها في موضع لازم.

فالعلم بخبايا الحكومة واجب على كل ولي مسئول، لا تنصلح الأحوال بغيره، وفي الغفلة عنه مضرة محققة لجميع الناس.

والأخذ بالبينة دون الظاهر في شئون القضاء واجب لا محيص عنه لضمان السلامة ومنع الجور، وهو في أحد طرفيه لا يخلو من الحذر الشديد من الطبيعة البشرية؛ إذ فيه خشية من غواية الهوى أن تنطلق بالقضاة في الحكم بغير برهان.

وفي الأخلاق الاجتماعية لا يؤمن التقاطع بين الأصدقاء إذا جرت العلاقة بينهم على التجسس والخدعة، ولا رعاية للمودة ما لم تكن رعاية للحرمات، ومنها الأسرار.

والتفرقة بين الواجبات المختلفة هي دليل البصيرة في عرفان كل واجب منها، وأنها تصدر عن رأي أصيل، ولا تصدر عن تسخير العرف وإملاء التقليد والمحاكاة. •••

وأنشئت في عهد عمر دواوين أخرى غير ديوان القضاء ودواوين الإحصاء والخراج والمحاسبة التي لم تكن من المؤسسات القائمة قبل عهده، فأنشأ البريد، وبيت المال، ومرابط الثغور، ومصنع السكة لضرب النقود، ودار الحبس للعقاب، ووكل معظم الدواوين إلى أبناء البلاد يزاولونها بلغاتهم؛ لأنها ليست من أسرار الدولة، وليس من الميسور أن ينصرف إليها فتيان العرب عما هو أولى بهم؛ وهو فرائض الدفاع والجهاد.

فلو وجد منهم من يفي

56

لتلك الأعمال؛ لكانت خسارة الدولة في قيامهم بها أعظم من ربحها، ولكنهم غير موجودين، ولا عملهم فيها باللازم اللازب للمصلحة الكبرى، وقد يكون عمل الفارسي في مصلحة فارس، والسوري في مصلحة سورية، والمصري في مصلحة مصر أحرى

57

Page inconnue