Mes papiers... Ma vie (Première partie)
أوراقي … حياتي (الجزء الأول)
Genres
على المنصة العالية يجلس فؤاد جلال من حوله أعضاء المجلس الأعلى، فوق رأسه صورة جمال عبد الناصر، إطارها ذهبي سميك، الجدار تعلوه الزخارف منقوشة بماء الذهب، مقعد فؤاد جلال يشبه كرسي العرش، في هذا المقعد داخل هذا القصر كان يجلس قبل الثورة رجل فوق رأسه صورة الملك فاروق، بعد موت جمال عبد الناصر جلس رجل آخر فوق رأسه صورة أنور السادات، اليوم يجلس في المقعد نفسه داخل القصر نفسه رجل آخر فوق رأسه صورة حسني مبارك.
داخل الإطار الذهبي السميك تتوالى صور الحكام واحدا وراء الآخر، تعلو الصورة فوق رءوس الرجال، رجلا وراء رجل، تنحني ظهورهم أمام الصورة، يؤدون لها التحية كعبدة الأصنام، يتحدثون بصوت هامس يخشون أن تسمعهم، يرمقونها بطرف عين كأنما تراهم، يقلدون صاحبها في كل شيء، الصوت والحركة، وحبات المسبحة بين أصابعهم كأنما هي أصابعه، إن كانت عنده لازمة معينة أصبحت لهم، لدغة أو تأتأة أو فأفأة، إن قال والله يقولون والله، وإن قال بسم الله يقولون بسم الله، يبدءون كلامهم دائما بهذه الكلمات الأربع: «حسب توجيهات السيد الرئيس.»
من فوق المنصة العالية بدأ فؤاد جلال يخطب: «حسب توجيهات السيد الرئيس بدأنا مشروع الوحدات المجمعة في الريف، في العهد البائد أيها السادة عانى الفلاحون ثالوث الفقر والمرض والجهل، وجاءت الثورة المباركة المجيدة لتنصف المحرومين الكادحين في القرى والنجوع، وهذه هي مهمتنا الأولى في المجلس الأعلى للخدمات، وهي خدمة الشعب!»
وجوه الرجال الجالسين إلى المنصة العالية لا توحي أنهم في خدمة الشعب، وجوههم العسكرية مشدودة كأنما بالأسلاك، البدل من الصوف الإنجليزي مشدودة بالمكواة الحديدية، الأكتاف عريضة محشوة بالقطن، يدسه الترزي في أكتاف الرجال لتصبح أعرض من الحقيقة، وكانت أمي تدسه في أكتاف العريس، نلعب به ونحن أطفال، الدمى نتفرج عليها في مسرح العرائس، أكتافهم المحشوة وأعناقهم المشدودة إلى أعلى بالخيوط.
كانت القاعة مليئة بالأطباء، صدر القرار بتعيينهم في الوحدات المجمعة، ثلاثمائة طبيب أو أكثر، رءوسهم محلوقة، أكتافهم مدكوكة، والكتف تلاصق الكتف.
انتهى فؤاد جلال من إلقاء خطبته، دوت القاعة بالتصفيق، كان التصفيق واجبا وطنيا، يؤكد به الإنسان ولاءه للحكومة، إن لم ترتفع اليدان بهذه الحركة التصفيقية، أو إن جاءت الصفقة فاترة، رمقته العيون بالشك، قد يسقط اسمه الثلاثي من أهل الثقة، ليدخل في قائمة أخرى بوزارة الداخلية.
توالت الخطب من أعضاء المجلس الأعلى، أربعة عن يمين الرئيس وأربعة عن يساره، سقطت جفوني في إغفاءة، عاد إلي كابوس الامتحان يكاد يشبه امتحان الهيئة في الجيش، الكلية الحربية لم تكن لها علاقة بالحرب، يتخرج الضابط أحد الوجهاء، لا تربطه بالحرب إلا البدلة العسكرية، يزهو بها أمام البنات، كتفاه المحشوتان تلمع فوقهما النجوم، جلست في الامتحان أمام رجلين من أعوان فؤاد بيه، الأول اسمه محمد بيه والثاني اسمه مصطفى بيه، متشابهان كالتوءمين، أحدهما أبيض البشرة، والثاني داكن السمرة، نسخة من الكربون. - اليوزباشي السعداوي قريبك يا دكتورة. - ليس في عائلتنا أحد يوزباشي. - وكفر طحلة تبقى فين يا دكتورة؟ - في محافظة القليوبية. - يا دكتورة نوال العمل في الريف صعب وأنت طبيبة ممتازة بلا شك، لكن مهما كنت فأنت من الجنس اللطيف، مش كده يا محمد بيه؟ - طبعا يا مصطفى بيه الدكتورة نوال من الجنس اللطيف.
صوته وهو ينطق كلمة اللطيف رقيق، أكثر رقة من صوت النساء، يده يحركها في الهواء أصغر حجما من يدي، أنامله أكثر نعومة من أناملي، بشرته بيضاء متوردة بالحمرة كوجوه العذراوات، يرتدي قميصا حريريا له أزرار ذهبية لامعة، كنت أرتدي قميصا من تيل المحلة السميك، بشرتي سمراء محروقة بالشمس. - والجنس اللطيف يا محمد بيه لا يمكن يتحمل خشونة الحياة في الريف بدون كهرباء ولا مياه نقية من الحنفية ... مش كده ولا إيه؟ - أيوه كده يا مصطفى بيه، وعندي سؤال لك حالة مستعجلة في نص الليل تقدري تخرجي في الظلمة؟ ما تخافيش الديابة تأكلك في الطرق الزراعية؟ وإذا الكعب العالي انغرز في الطين أو كوم السباخ تعملي إيه يا دكتورة؟
كنت أرتدي حذائي الجلدي الأسود، كعبه مربع سميك يشبه كعوب الكادحين من الرجال، مدقوقة فيه قطعة حديد على شكل حدوة الحصان، يعلوه تراب الشوارع من الجيزة إلى شارع قصر العيني، سمعتهما يضحكان بخلاعة موظفي الحكومة في غيبة رئيسهم، وميوعة الأزواج في غيبة زوجاتهم، أحدهما أبيض له وجه عرائس المولد والثاني داكن السواد رغم الاختلاف في اللون ملامحهما متشابهة، كأنما الحكومة تصكهم كما تصك النقود، يصبح الواحد منهم باهت الملامح كالقرش الممسوح.
أفقت على صوت التصفيق يرج القاعة، انتهت الخطب، وارتفع صوت من فوق المنصة يقول: أهناك أسئلة يا حضرات الدكاترة؟ دب الصمت، لم يتقدم أحد، لم أسمع إلا الأنفاس المكتومة، رأيت يدي ترتفع، صوتي ينطلق وحده يطلب الكلمة، تفضلي يا دكتورة، وجدتني أسير إلى الميكروفون، لمحت العيون ترمقني، تترقب ماذا أقول، الضربات تحت ضلوعي قوية متصاعدة، الغضب المتراكم يتجمع في حلقي، أبتلعه وأتكلم بصوت أبي الهادئ، أعدت إلى ذاكرتهم مبادئ ثورة يوليو، العدل والمساواة وتكافؤ الفرص، ثم تساءلت: لماذا لم تعين الطبيبات في الوحدات المجمعة مثل الأطباء؟ قلت إنني من قرية اسمها كفر طحلة، تخرج فيها النساء كل يوم قبل الفجر، يشتغلن بالفئوس في الحقول، في صقيع البرد وتحت لهيب الشمس ، عند الغروب يرجعن إلى البيوت، يطبخن ويغسلن ويخبزن، لا يأكلن إلا بعد أن يأكل الجميع، يرتدين في الصيف والشتاء جلبابا واحدا، يمشين في الطرق الزراعية حافيات، وتساءلت: أليست هؤلاء النساء ينتمين إلى الجنس اللطيف؟!
Page inconnue