فاستبقوا إلى لعنهما، وتناول علي طوبة فرماها بأقصى قوته صوب الجبل. وعاد رفاعة يقول: ومذ قال الشعراء إن الجبلاوي حث جبل على أن يجعل من ربوع آل جبل بيوتا تضارع البيت الكبير في جلاله وجماله، طمح الناس إلى قوة الجبلاوي وجاهه، وتناسوا مزاياه الأخريات؛ لذلك لم يستطع جبل أن يغير النفوس بنيله حقهم في الوقف، ولما رحل عن الدنيا انقلب الأقوياء مغتصبين والضعفاء حاقدين وأطبق الشقاء على الجميع، أما أنا فأفتح أبواب السعادة بلا وقف ولا قوة ولا جاه.
وهوى كريم بوجهه إليه فقبله، فمضى يقول: وغدا عندما يلمس الأقوياء سعادة الضعفاء؛ سيدركون أن قوتهم وجاههم وأموالهم المغتصبة لا شيء.
وصدرت عن الأصدقاء كلمات الثناء والحب، وحمل الهواء غناء راع في أقصى الخلاء.
وتجلى في السماء نجم واحد. ونظر رفاعة في وجوه الأصحاب وقال: ولكني لا أكفي وحدي لعلاج أهل حارتنا، آن لكم أن تعملوا بأنفسكم، وأن تتعلموا الأسرار؛ لتخلصوا المرضى من العفاريت.
فبدت الغبطة في الوجوه وهتف زكي: ذلك أعز أمانينا.
فابتسم إليهم قائلا: ستكونون مفاتيح السعادة في حارتنا.
ولما عادوا إلى حيهم وجدوه يضيء بأنوار عرس في أحد الربوع. ورأى كثيرون رفاعة فأقبلوا عليه مصافحين. وتغيظ بطيخة فقام من مجلسه بالقهوة وهو يسب ويلعن، ويصفع هذا وذاك، ثم تحول إلى رفاعة متسائلا في قحة: ماذا ترى في نفسك يا ولد؟
فقال رفاعة برقة: صديق المساكين يا معلم.
فصاح الرجل: إذن امش كما يمشي المساكين لا كعريس الزفة، أنسيت أنك طريد حي وزوج ياسمينة وكودية زار؟!
وبصق في تحرش. وتباعد الناس. وساد الوجوم. لكن زغاريد الفرح غطت على كل شيء.
Page inconnue