54
كانت ياسمينة تطل من النافذة على الحارة متسلية بالمنظر الجديد. وكان في أسفل الربع غلمان يلعبون، وبائعة دوم تنادي، على حين أمسك بطيخة بتلابيب رجل وراح يضرب وجهه بكفه والآخر يستعطفه دون جدوى. وسألها رفاعة وهو جالس على الكنبة يقص أظافر قدميه: هل يعجبك بيتنا الجديد؟
فالتفتت نحوه قائلة: هنا تحتنا الحارة، أما هنالك فلم نكن نرى إلا الدهليز المعتم.
فقال رفاعة بأسى: ليت الدهليز بقي لنا، إنه دهليز مبارك؛ إذ فيه تقرر النصر لجبل على أعدائه، ولكن لم يكن في الإمكان مواصلة الإقامة بين أناس يستهزئون بنا في كل خطوة. أما هنا فالفقراء طيبون، والطيب هو السيد لا آل جبل.
فقالت ياسمينة باستهانة: وأنا كرهتهم مذ عزموا على طردي.
فسألها باسما: لماذا إذن تقولين للجيران إنك من آل جبل!
فضحكت ضحكة كشفت عن أسنانها اللؤلؤية وقالت في مباهاة: ليعلموا أني فوقهم جميعا.
فوضع المقص على الكنبة وطرح ساقيه على الحصيرة وهو يقول: ستكونين أجمل وأفضل عندما تقهرين الغرور. ليس آل جبل بخير حارتنا، خير الناس أطيبهم، وكنت مخطئا مثلك فخصصت آل جبل باهتمامي، ولكن السعادة لا يستحقها إلا من ينشدها مخلصا. انظري إلى الطيبين كيف يقبلون علي وكيف يبرءون من العفاريت!
فقالت باحتجاج: لكن كل أحد هنا يعمل بأجر إلا أنت! - لولاي ما وجد الفقراء من يشفيهم، إنهم يقدرون الشفاء لكنهم لا يملكون ثمنه، وأنا ما عرفت الأصدقاء حتى عرفتهم.
وأمسكت عن الجدل بوجه ممتعض فقال رفاعة: آه لو تذعنين لي كما يذعنون! إذن لخلصتك مما يعكر صفو الحياة.
Page inconnue