Albert Camus : Essai Sur Sa Pensée Philosophique
ألبير كامي: محاولة لدراسة فكره الفلسفي
Genres
8
هل يجر هذا التغيير في النص وراءه تغييرا في الموضوع؟ أليست هذه الطبيعة الإنسانية قيمة يضعها الإنسان فوق ذاته، ويقف منها موقف الخضوع ويصل إلى حريته الحقيقية عن طريق هذا الخضوع نفسه لها؟
9
ألا تدل هذه الطبيعة المشتركة بين الناس جميعا على أن هناك معنى ساميا يعلو فوق الإنسان، ويستطيع عن طريقه أن يتجاوز ذاته إلى الآخرين، ويحقق ما يسميه المحدثون ب «الوجود مع الغير»؟ وإذا صح هذا كله، ألا يعني ذلك أن كامي يقفز القفزة التي حرمها الإنسان على نفسه في تجربة المحال، وأصر على أن يتلافاها بكل ثمن؟ وهل يتناقض كامي مع نفسه باعترافه بالقيمة العالية التي سماها الطبيعة الإنسانية؟
الواقع أن كامي يشعر بضرورة افتراض وجود قيمة عالية، ولكنه لا يزال يتمسك بموقف النفي لكل متعال ولكل مطلق. يتضح ذلك حين يقول في خلال مناقشاته للثورات التاريخية إن القرنين التاسع عشر والعشرين قد حاولا في صميم اتجاهاتهما أن يعيشا بغير ترانسندنس.
10
أو حين يتصدى لدحض الشيوعية، ويبين كيف انحرفت عن التمرد الأصيل، فيرجع ذلك إلى حد ما إلى أنها قد جردت القيم الثابتة والمبادئ العالية من معناها: «بمجرد أن توضع المبادئ الخالدة مع الفضيلة الشكلية (عند اليعاقبة أو الجمهوريين الأحرار في الثورة الفرنسية) موضع الشك ويحط من شأن كل القيم الممكنة، يندفع العقل في حركته فلا يقيم لشيء وزنا، اللهم إلا لما يصيبه من نجاح. إن إرادته تتجه الآن إلى السيادة والتحكم، وذلك حين ينفي كل ما كان موجودا ويؤكد كل ما سوف يوجد في المستقبل.»
11
عندئذ يعطى كل ما كان لله لقيصر. ولكن الله وقيصر كلاهما موجود مطلق، فلا بد أن يقاومهما كامي باسم التمرد، على نحو ما قاوم كل مطلق ورفض كل نزعة مطلقة.
لقد عرضنا في الفصل السابق لموقف كامي من المطلق، أما مشكلة القيمة فنستطيع الآن أن نحددها على النحو التالي؛ فإما أن تتقدم القيمة على التمرد - وبذلك تعلو عليه علو الترانسندنس، وإما أن يخلق التمرد القيمة. والواقع أن في نصوص كامي من الأسانيد ما يؤيد الرأيين معا. ونستطيع فيما يتعلق بالقسم الأول من المشكلة أن نقول إن رفض المتعالي، هذا الرفض الذي يصر عليه كامي بكل قوة، هو في الواقع هروب منه وتأكيد له بغير وعي منه،
Page inconnue