Albert Camus : Essai Sur Sa Pensée Philosophique
ألبير كامي: محاولة لدراسة فكره الفلسفي
Genres
4 (ترانسندنس) المتعلق بها؟
بهذا السؤال نصل إلى التغيير الذي أشرنا إليه في نص إحدى العبارات الواردة في «المتمرد» عما كانت عليه قبل ذلك ببضع سنوات في المقال السالف الذكر، كما يتضح لنا موقف كامي من المتعالي ورفضه له رفضا حاسما صريحا؛ لقد استطاع في ذلك المقال أن يقول إن القيمة المتعالية أو المتعالي (الترانسندنس) الذي أوجده التمرد ليس متعاليا عموديا بل هو متعال أفقي؛ أي إنه يريد بعبارة أخرى أن يقول إن القيمة المتعالية التي يريد التمرد أن يؤكد وجودها، والتي يقوم عليها فعل التمرد نفسه، لا يصح أن نتصورها تصورا استاتيكيا جامدا، ولا أن نتخيلها كما لو كانت «معطى» نصل إليه مرة واحدة وإلى الأبد، بل ينبغي أن نتذكر دائما أن المتمرد لا ينفك يؤكدها ويدافع عنها في كل لحظة من لحظات وجوده؛ أي إنه لا يكف عن خلقها خلقا متصلا لا ينقطع.
5
هل تسرع كامي في مقاله ذاك فكتب كلمة «المتعالي» أو «الترانسندنس» بغير وعي منه، أم تراه أحس إحساسا واضحا بالحاجة وبالضرورة إلى افتراض وجود هذا المتعالي؟ ذلك أنه إذا صح أن الإنسان لا يستطيع، في لحظات ومواقف معينة من حياته على الأقل، أن يمنع نفسه عن التمرد، فمن الصحيح كذلك أنه لن يستطيع أن يحكم مقدما إذا كان تمرده سيكون له أي معنى، طالما أنه لم يعطه مثل هذا المعنى من قبل، فالرأي إذن أن التمرد الذي لا يرتبط بمعنى عال ولا ب «ترانسندس» لن يزيد عن أن يكون مجرد ثورة عاطفية، أو دافع أعمى، أو حماس في فراغ، لا يشك أحد في أنه جدير حقا بالإعجاب، ولكن لا يشك أحد أيضا في أنه مجرد عن كل معنى، خال من كل اتجاه. وجه الخطر في مثل هذا التمرد أنه يمكن أن ينحرف ويتردى في متناقضات الثورات التاريخية. قد تكون مثل هذه الخواطر قد وردت على ذهن كامي وقد لا تكون قد خطرت له على بال. المهم أنه حين أعاد كتابة النص أراد أن يتجنب كلمة «الترانسندنس» بأية ثمن. وها هو الآن يحاول بتعديله لهذه العبارة الفريدة أن يطبع تلك القيمة التي يريد التمرد أن يؤكدها ويدافع عنها وأن يخلع عليها ثوب الموضوعية وذلك بإضفائه عليها طابع النسبية والمحدودية. هذه العبارة التي ذكرناها من قبل لا نجد لها أثرا في كتاب المتمرد. إننا نقرأ في مكانها قوله: «هذه القيمة السابقة على كل فعل، لا سبيل إلى التوفيق بينها وبين الفلسفات التاريخية المحضة التي تكتسب القيمة فيها إن كان ثمة سبيل لاكتسابها) بعد أن ينتهي الفعل.
إن تحليل التمرد يحمل على الأقل على الظن بأن هناك طبيعة إنسانية، على نحو ما ذهب إليه اليونان وبخلاف ما يسلم به التفكير المعاصر.
6
وإذن فنحن نجد في مكان كلمة الترانسندنس،
7
التي نقابلها أكثر من مرة في مقاله «ملاحظات عن التمرد»، والتي تختفي في نفس الموضع من النص الذي نقله بحذافيره (فيما عدا تلك العبارة) في كتابه «المتمرد»، أقول نجد كلمة أخرى هي «الطبيعة الإنسانية» التي قرر كامي أن يستخدمها ليتجنب كلمة الترانسندنس التي تضعه أمام مشكلات عديدة، ولكن حذف الكلمة لا يعني حذف المشكلة، على نحو ما سنرى فيما بعد.
إن الطبيعة الإنسانية التي نتحدث عنها هي تلك القيمة التي تسبق كل فعل، وتقدم بذلك السبب المبرر له، والمعنى الذي يهدف إلى تحقيقه. هذه القيمة التي يضحي الإنسان بحياته لكي يقيم الدليل على وجودها - كما فعل كالياييف ورفاقه - لا بد أن تكون قيمته تتجاوز وجوده كفرد تاريخي. ولما كان المتمرد بطبيعته لا يريد أن يؤكد وجود هذه القيمة في ذاته فحسب، بل يريد أن يؤكدها ويدافع عن وجودها عند بني الإنسان جميعا، كانت هذه القيمة بالضرورة قيمة ترانسندنتالية متعالية؛ فلو لم يكن الأمر كذلك ما استطاع المتمرد أن يضع نفسه فوق هذا العالم حين يضع هذه القيمة فوق ذاته، كما فعل «القتلة الأبرياء»، كالياييف وأصدقاؤه وهم على أعتاب المشانق.
Page inconnue