(9) يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (10) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون
ذلك إذا لم يمنع منه علم من طلبت خديعته او تسديده من الله او حذره. والمفاعلة قد تجيء من طرف واحد كما في عافاه الله وعاقب المجرم وعاينت الشيء وحاولت الأمر وزاولته. ولكن مخادعتهم هذه لا تسبب ولا يتولد منها خديعة إلا لهم ( وما يخدعون ) بها ( إلا أنفسهم ) لما يعود عليهم في الدنيا والآخرة من وبال مخادعتهم هذه ونفاقهم ( وما يشعرون ) فإن قيل ان هؤلاء المنافقين ان كانوا في الحقيقة دهريين ينكرون وجود الإله فكيف يتوجهون اليه بالمخادعة. وإن كانوا وثنيين يعترفون بالله وإلهيته وعلمه ولكنهم يشركون الأوثان معه في الإلهية فكيف يتصور اقدامهم على مخادعته فيحاولون منه الغرة والانخداع. قلنا إذا لم يتصور ذلك في تذبذبهم في النفاق وخبطهم في ضلالات الأهواء والكفر فقد قال بعض المفسرين ان المخادعة جاءت هنا على نحو التجوز والاستعارة باعتبار ان قولهم ذلك يشبه المخادعة وان لم يريدوها. ولكن الذي يظهر من المقام انهم بقولهم ذلك يخادعون الرسول والذين آمنوا على حقيقة المخادعة. ولا يجوز استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمعنى المجازي معا. ولذا أبقى المخادعة بعضهم على حقيقتها وقال ان التجوز إنما هو بإضافتها الى الله دون إضافتها إلى الذين آمنوا والتجوز باعتبار ان الجرأة على مخادعة الرسول في مقدمة الذين آمنوا من حيث انه رسول الله بمنزلة الجرأة على مخادعة الله فأضيفت المخادعة الى الله على النهج الذي جاء عليه قوله تعالى في سورة الفتح ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) وهذا أظهر القولين 10 ( في قلوبهم مرض ) مرض النفاق والتلون واستعير اسم المرض هنا لأن فيه خروجا عن الصحة العادية والنفاق خروج عن الاستقامة الفطرية للبشر وجريهم على ما توضحه الدلائل النيرة. ولأجل تمردهم في نفاقهم خرجوا عن أهلية التوفيق للاستقامة فأعرض الله بوجهه الكريم عنهم وحرمهم الله بركات لطفه ( فزادهم الله ) بحرمانهم التوفيق ( مرضا ) على وتيرة من تمرد بالطغيان فوكله الله إلى نفسه المنهمكة بالقبح منذ اسلست قيادها للهوى والشيطان. وقيل المرض هو غم الحسد والعداوة للمؤمنين وبحرمان الله لهم من توفيقه زاد مرضهم وبهذا الاعتبار نسبت الزيادة إلى الله وقيل ان فزادهم دعاء عليهم ولكن الفاء لا تناسبه. وقيل غير ذلك ( ولهم
Page 70