خيار عدول، وقيل للخيار: وسط؛ لسلامة الوسط مما يسارع إلى الأطراف من الخلل والفساد؛ وسالك الوسط من الطريق محفوظ من الانحراف إلى غير طريق. والمعنى: ومثلما جعل قبلتكم وسطًا؛ لأنها البيت الحرام الذي هو بناء الخليل إبراهيم ﵇ جعلكم أمة وسطًا بين الأمم؛ ليتحقق التناسب بينكم وبين القبلة التي تتوجهون إليها في صلواتكم. ويصح أن يكون لفظ: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ للتنبيه على الخبر المهم الذي ذكر بعده، وهو جعل المخاطبين وسطًا؛ أي: عدولًا، وما ترتب عليه من شهادتهم على الناس يوم القيامة.
﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾:
هذا بيان لوجه جعلِهم خيارًا عدولًا، وهو استشهادهم، وقبول شهادتهم على الخلائق يوم القيامة. وشهداء: جمع شهيد، وصفٌ من الشهادة، وهي إخبار الإنسان بما شاهده، أو شهده؛ اْي: حضره، وتستعمل في الإخبار بما علم - ولو من غير طريق المشاهدة -. وتكون الشهادة في الدنيا بين الناس على أعمالهم ومعاملاتهم، وفي الآخرة بين الرسل وأممهم، كما قال تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩].
وتحمل شهادة الأمة في الآية على شهادنهم على الأمم السابقة بأن أنبياءهم قد بلغوهم الرسالة على وجهها؛ ومستند هذه الشهادة: ما قصه علينا القرآن الكريم من أنبائهم. وشهادة الرسول ﵊ على أمته: إخباره بتصديقهم له، وتلقيهم دعوته بالطاعة. والحكمة في شهادة الأمة المسلمة على الأمم يوم القيامة: إظهار فضل الأمة التي استنارت بالحجة، واطمأنت للمعجزة، فاَمنت بجميع الأنبياء ﵈، ولم تفرق بين أحد منهم.