443

ولقد ضمني وإياه مجلس لبعض أركان الدولة اليمينية، فاتفقنا ثاني اثنين من بين الحضور «5» في تنافث الهموم، وتذاكر العلوم، وتناشد أبيات الكرم واللؤم، فما كان إلا أن حمي المجلس بناره، وعقر الشرب بعقاره، حتى انحل عنه عقال اختياره، وانفتحت له أقفال أسراره، فغرق في بحر الدموع عينه، وألقى إلي ما دار بين أبيه وبينه، يقرر ما نشأ عليه من خدمة الأدب، والاستغناء بعصام النفس عن عظام النسب، على طاعة من ولد في حجره، والبروز على حكمي أمره وزجره. وإنه حين ملك أمره، وعرف من خله خمره «6»، وانفرد بتدبير معاشه، وتوفير نعمته ورياشه، ناهض «7» بأمله معونة أبيه ببعض ما يستحقه بررة الأبناء على الآباء، فلم يزده على أن زاحمه في إرثه عن أمه، وحال بينه وبين ما كتب الله له «1» من حقه، مطاوعة لرقيق اعتقده «2»، فذاق عسيلته «3»، وأذاقه ذبيلته «4»؛ فحلاه عنهما «5» تدبير «6» دانيته وقاصيته، وولاه ترتيب حاشيته وغاشيته، وحكمه في عرض «7» ولده، وسائر ما تحت يده؛ فأحجر ذلك الفاضل دون نعمته، وأقعده دون الاستمتاع بلحمته، وجعل كل من يعتزي «8» إليه منقوما ومقدوعا «9»، ومن يعتريه [211 أ] ملطوما ومصفوعا، حتى اضطره صراح اليأس، وإلحاح الإفلاس إلى قصد الوزير «10» شمس الكفاة لاستماحته، وانتجاع ندى راحته.

فحين علم أبوه المعتوه تخييمه على شاطى ء الإقبال، واستقلاله على مواطى ء الآمال، ندب الفكر لاغتياله، وأسهر الليل لاقتناصه بإحدى حبائله وحباله، فدس إليه- على ما شاع وذاع، وشحن المسامع والبقاع- من ذعف «11» له نقيعا، غادره على فراش المنون صريعا. وانتقل غير بعيد إلى جوار الله ودار كرامته، مشبكا يديه فوق هامته، ومستصرخا ولي العدل ومالك الخلق على ظلامته، ومختصما حول العرش إلى يوم قيامته.

صفحه ۴۶۵