واحات العمر: سیره ذاتیه: الجزء الأول
واحات العمر: سيرة ذاتية: الجزء الأول
ژانرها
والغريب أن القصة، على سذاجتها، وجدت من يدافع عن جمالها الفني استنادا إلى الأسس التي وصفها رشاد رشدي نفسه! فبها جميع الخصائص الفنية «المقررة» للقصة القصيرة؛ شخصية رئيسية واحدة، التركيز على التحول داخلها، وهو ما يمثل «التطور» الطبيعي غير المفروض من الخارج، وتوافر عناصر البداية والوسط والنهاية! ولكن الأهم من ذلك كله كان الهدف النبيل الذي تسعى القصة إلى إبرازه؛ فهي تؤكد عكس ما يزعمه أعداء الشيوعية من أنها «ضد الدين» فها هو النظام يسمح للبطل - رغم عدائه للنظام - أن يعيش حياته الشخصية كاملة، وأن يمارس حرية العقيدة والعبادة وحرية الاختلاف! والقصة تبرز بوضوح وجلاء الطابع الإنساني للنظام، وأنه يقوم على التكافل الاجتماعي؛ إذ تبين أن النوازع الفردية لأطباء الأمس قد قهرها التعاضد الإنساني والتلاحم البشري، مما يجعل المجتمع هو البطل الحقيقي للقصة!
وقارن أحد النقاد هذه «القصة الاشتراكية» بقصة كتبها محمود تيمور بعنوان «العوامة» يصور فيها حال موظف كان دائما يتطلع إلى السباحة في البحر، ويدخر المال في سبيل نزهة صيف على الشاطئ، وكيف استطاع آخر الأمر تحقيق حلمه واشترى عوامة تساعده على الطفو، وكيف هرب الهواء من العوامة المنتفخة في الماء فغرق الرجل دون ذنب جناه! «هذا هو نموذج الأدب التشاؤمي الذي لا هدف له» - على حد تعبير أحدهم - أو كما قال آخر «هذا هو الأدب الذي يهدم ولا يبني.» وذات يوم كنا في مبنى الإذاعة القديم، نجلس في الكافتريا على السطح في نحو التاسعة مساء حين دخل محمود كامل (واسمه الحقيقي محمود قاسم، وهو من بلدنا رشيد) وجاءنا ليهمس همسا حذرا: «لقد صدر لي التكليف بمراقبة جميع التمثيليات الإذاعية غير الاشتراكية والإبلاغ عنها.» وتلفت سمير سرحان إليه في دهشة وقال: «إنت؟» وكان معنى السؤال هو كيف يكلف ممثل من الطبقة الثالثة بمراقبة كتابة الكتاب؟ ولكن محمود أوضح لنا أن أكل العيش مر، وأن شخصا معينا بالطابق الثالث قد كلفه علي صبري بهذا العمل، دون إخطار أمين حماد رئيس الإذاعة، حتى يتم إقصاء جميع أعداء الاشتراكية واستئصال شأفتهم! ولما كنت قد عرفت محمود صبيا وصاحبته شابا في رشيد والقاهرة، وكان يعرف أسرتي خير المعرفة، فقد سألته في حذر: «فيها حاجة لك؟» فهمس والبشر يكسو ملامحه: «سوف يرقيني مدير العقود محمود مصطفى إلى الدرجة الثانية، وسوف أشترك في معظم التمثيليات!» ثم رجانا بنفس الهمس الحذر عدم إبلاغ أحد بذلك، وأن نكون على اتصال به حتى يكتب تقارير ممتازة عن تمثيلياتنا!
ولم تكد تمر أيام حتى شكا إلينا ميخائيل رومان أن المخرج أضاف دور «بواب» إلى تمثيلية إذاعية كتبها وسجلها في اليوم السابق، بل وطلب إليه أن يضع له عددا من السطور اللائقة حتى لا تقتصر التمثيلية على الحوار بين الطبيب والممرضة، وأضاف قائلا: «وبلغ من صفاقة المخرج أن أعطى الدور لممثل من الدرجة الثالثة!» وهممت أن أسأله هل هو محمود كامل، ولكن سمير سرحان نغزني؛ أي اسكت، فسكت! كنا نجلس في مطعم «الأونيون» بشارع 26 يوليو (الذي اختفى الآن) وكان معنا الدكتور فخري قسطندي الذي كان قد عاد من البعثة بعد ست سنوات في دراسة الدراما، وكان كعادته يتحدث في موضوع خارج حديث الجماعة، فكان يؤكد أن فريق الخنافس ليسوا خنافس، وأن كلمة بيتلز تكتب بحرف ال
e
وال
a
مما يتضمن تورية على كلمة إيقاع؛ ولذلك فهي تختلف عن كلمة بيتلز بمعنى الخنافس، وكان محقا - بطبيعة الحال - ولكن الذي كان يشغل ميخائيل رومان كان شيئا آخر تماما!
لم نكن نجد صعوبة في تسجيل تمثيلياتنا الإذاعية ، خصوصا بعد أن ترقينا أنا وسمير سرحان إلى كتاب من الدرجة الأولى (لأننا كتاب مسرح)، ولكن الدرجة الأولى في الحقيقة كان فوقها درجات أعلى بكثير، فكان فوقها كتاب الدرجة الممتازة (سعد الدين وهبة ويوسف إدريس ونعمان عاشور ورشاد رشدي وميخائيل رومان) وفوقها النجوم من كتاب الرواية الذي تتحول أعمالهم إلى مسرحيات، ومن فوقهم الأعلام وتضم فردا واحدا هو توفيق الحكيم. وكانت علاقتنا بتوفيق الحكيم قد توثقت من خلال مجلة المسرح؛ إذ كنت أذهب إليه أنا وسمير بانتظام للحصول على مقابلات صحفية، وكان أحيانا ما ينطلق في الكلام على سجيته، فيصول ويجول في أروقة الفكر العالمي، ثم ينتبه فجأة إلى أننا لسنا ضيوفا وربما نكون «من الصحافة» فيسكت، ولكن مكتبه في الأهرام كان بقعة مضيئة في جو تلبد بالغيوم واكفهر.
وعندما عقدت الانتخابات العامة، والاستفتاء على رئاسة الجمهورية، شعرت في منطقة العجوزة بتحركات غير معتادة. وكنت بطبعي حساسا للتغيير، أرقب ما يحدث بدقة وقد لا أعلق عليه إلا بعد سنوات، أو أختزنه في الذاكرة إلى الأبد، وكنت ما أزال أنفر من الشتائم والهجوم، ولا أحب أن أرى شخصا يتعرض «للبهدلة»؛ ولذلك كنت أتعاطف تلقائيا مع كل من ينهال عليه الصحفيون بالسباب؛ لأنه «غير اشتراكي» أو «يميني متفسخ»، وكان ذلك يسبب لي ضيقا شديدا، ولكنها كانت الموضة، وكان فتحي رضوان يخبرني، استنادا إلى معلوماته الخاصة، بأسماء «المخبرين» أو «المبلغين» الذين ينقلون إلى السلطات أنباء مشاعر الناس وكلامهم، وكانوا مكلفين في منطقتنا بمراقبة المسجد الصغير الذي نصلي فيه الجمعة، ومراقبة الزوار من أصحاب السيارات الفارهة، وكذلك مراقبة أحاديث الجماعات، سواء كانت جماعة من الطلبة، أو جماعات من المهنيين الذين يقضون وقت الفراغ على المقهى.
وكانت شلة الطلبة في شارع الدري تتكون مني وعلي أبو العيد، ومحمد فريد، وأخيه عادل فريد، ومحمد الشنواني، ووجيه صلاح الدين وأخيه، وجميل مكاوي (مفتش الضرائب) وأخيه نبيل مكاوي (ضابط الشرطة فيما بعد). وكان يقيم في إحدى الفيلات توءمان يصعب التفريق بينهما، ولكنهما لم يكملا تعليمهما، وكان أحدهما يعمل بعض الوقت لدى من سوف نسميه يونس اللبان، والآخر يعمل في وظيفة ثابتة في مجمع التحرير مشرفا على أرشيف البريد. وعندما بلغنا أن أحدهما قد بدأ عمله «مخبرا» (إلى جانب المكوجي والحلاق) قررنا أن نسايرهما، فلم نكن نستطيع التفريق حقا بينهما، بألا ننبذهما من الشلة بل بأن نوثق انضمامهما وندس إليهما من الأنباء ما يحيرهما! كان معظمنا قد تخرج والتحق بالوظائف، ولكننا كنا كثيرا ما نتجمع مصادفة في ساحة في منتصف الشارع لنتجاذب أطراف الحديث ومعرفة أخبار بعضنا البعض. واقترح وجيه صلاح الدين، وكان «ملك المقالب» أن يتحول إلى الحديث بالإنجليزية عندما يكون معنا أحدهما، ثم يسأله أحدنا أسئلة مثيرة بالعربية فيجيب عليها بالإنجليزية أيضا، فنحن واثقون أن أيا منهما لا يعرف تلك اللغة!
صفحه نامشخص