لا يمكن أن يصبح ذلك التنظيم المالي الذي نص عنه أبديا، بل لا بد أن يكون محدودا بزمن؛ خصوصا وإنه فيما يتعلق بتونس قد تم منذ عهد طويل؛ إذ عرف بالضبط مقدار الديون وأبان دفع أقساطها. أما اتفاقية المرسى فقد اقتصرت على «أن يتعهد سمو الباي المعظم بألا يعقد قرضا في المستقبل لحساب المملكة التونسية دون إذن سابق من الحكومة الفرنسية»، فهذا شرط تحفظي فقط لا يعطي فرنسا حق التصرف مباشرة في مالية تونس إلى الأبد. إن ديون المملكة التونسية تقدر اليوم بثمانين مليارا من الفرنكات تمكن دفعها في مدة عشرين سنة بالتقسيط؛ إذ ما دامت تونس تابعة لفرنسا ماليا، وما دامت وزارة المالية العامة خارجة عن يد التونسيين فإنه يستحيل أن تتقدم البلاد نحو استقلالها الحقيقي، ولو حصلت على كثير من رغباتها السياسية الصرفة؛ إذ يكون التونسيون لجهلهم بما يحاك لهم في ذلك الميدان يوضعون أمام الأمر الواقع، ويجدون أنفسهم دوما أمام حالة مالية مزعجة خطرة تجعل حريتهم وهما واستقلالهم خيالا. (د) مدير الأشغال العامة
وهو دائما موظف تونسي يسميه الباي، وهو يتصرف في قسم كبير جدا من الميزانية التونسية، من غير أن يعقب أي تونسي أعماله. (ه) مدير التعليم العمومي
وهو أيضا موظف فرنسي يسمى بأمر علي، ويشمل نظره جميع مؤسسات التعليم الدولي الخاص، وقد اتخذت فرنسا إدارة التعليم أداة لبث لغتها وتجنيس العقول ومحاربة اللغة العربية والتضييق في نطاق التعليم حتى يبقى الجهل عاما. (و) مدير البريد
وهو موظف فرنسي. (ز) مدير البناء والسكن
وهو موظف فرنسي. (3) المقيم العام للجمهورية الفرنسية بتونس
وقد أخرناه لكثرة الكلام عنه:
إن الوزير المقيم العام يمثل الجمهورية الفرنسية لدى الباي قبل كل شيء، وهو مكلف بالسهر على تنفيذ معاهدة 12 مايو 1881، وبأن يكون الواسطة في العلاقات بين الحكومة الفرنسية والسلطات التونسية في جميع الأمور المشتركة بين البلدين، وقد جعله الباي أيضا (الأمر العلي، 9 يونيو 1881) الواسطة بينه وبين الدول الصديقة.
لقد أحدثت فرنسا بتونس عددا وافرا من المصالح والمؤسسات الفرنسية البحتة، وجعلتها تابعة للوزارات الفرنسية رأسا، ثم أسندت للمقيم العام طبق قرار فرنسي مؤرخ في 22 أبريل 1883 التمثيل المباشر لهذه الوزارات والمصالح العامة الفرنسية، ومكنته من حق المكاتبة رأسا إلى الجهات المختصة والوزراء الفرنسيين الذين يرسلون له تعليماتهم.
وأرادت فرنسا أن توسع نفوذ المقيم العام، وأن تجعله الرئيس الأعلى بتونس، فوضعت بقبضته - طبق قرار أصدره رئيس الجمهورية الفرنسية لتاريخ 23 يونيو 1885 - «سلطات الجمهورية بتونس؛ تحت إمرة قواد الجيوش البرية والبحرية وجميع المصالح الإدارية المتعلقة بالأوروبيين والأهالي.»
واتبعت فرنسا طريقتها التعسفية، فطبقت تلك القرارات بحذافيرها تطبيقا كليا، وإن لم يصادق عليها أي نص صادر عن ملك البلاد الشرعي.
صفحه نامشخص