تحفة الأسماع والأبصار
تحفة الأسماع والأبصار
على أن هذه المقامات غنية بالحجج القطعية عن تكلم مثلي لكنه جذبني إلى ذلك قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى } وما حكاه الإمام المطهر بن محمد بن سليمان عن بعض العلماء في تفسير {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } أنها نزلت في مثل هذا وكذلك[149/ب] فسرها القاضي عبد الله بن زيد في المحجة البيضاء ولعل السائل الذي أورد السؤال إلى سيدنا عافاه الله وحفظه يفتقر إلى الإطالة، وكثرة تكرار الدلالة فإن من الناس من استحكمت شبهته استحكاما، وألجمت عقله من النفوذ إلجاما، فلا تحل إلا بجهد جهيد، وتعب شديد، وإذا كانت الشبهة تحل، وركابها عن القلوب ترحل، توجه على العلماء أن يمدوا إليها الأعناق وعلى ذي الشبهة أرعى سمعه، وأن يطرد عن قلبه وهوى طبعه، وتتيسر الخوض معه طورا على طريق التجميل، وحينا على نهج التفصيل، فأما السبيل الإجمالي فيقال له ماذا الذي تغير من السيرة، حتى تغيرت منك السريرة، فإن أظهر والعياذ بالله أمورا ليس للاجتهاد فيها مسرح، فلا جرم إن ذلك أي مقدح، ولكن ذلك والحمد لله لم يبق من إمام فيما يعلم، ولا جعل منقما على إمام فيما ينقم، فإن عنصر هذا المذهب المنتقى، محمد (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) المصطفى، ثم خليفته المرتضى فهما معيار هذا المذهب، ومثبتا هذا الطراز المذهب، ووقع من الكل انتهاج منهاجهم، وسلوك إدراجهم، فهم في التوحيد والعدل من نور واحد يقتبسون، ومن محل واحد يقتنصون، وإن أظهر ما تختلف فيه الأنظار، وتحرك فيه ثواقب النظار، وهم فيه كما قال المنصور بالله عليه السلام كالأخذ من معدن النظار، منهم الحايز للكثير ومنهم المحتري باليسير، على حسب حاجته وما تقتضيه حال عصابته فهذا اعتراض غافل وقلب غير عاقل، فإن العلماء بأجمعهم يوجبون على الإمام اجتهاده في النوازل ولذلك اشترطوا أن لا يكون إمعة، وأن يكون العلم والرأي معه، وإن أنفق عند السائل ما يجهل لديه حقيقته، ويخفى عليه طريقته، فليقل لنفسه ليس هذا يغشك فادرجي، فإن لهذا القوس باريا، ولهذا القدح واريا، فإذا أحكم الإمام في تلك القضية برأيه المحكم، وجمع شعتها برأيه وأبرم. قال سمعا وطاعة لما يأمر به الإمام ويحكم وجهلا بقول الله: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} فإن أصاب فأجران يعطى وأجر واحد إن أخطأ.
صفحه ۶۱۶