تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
" ما لي وللدنيا "
، { حتى يثخن في الأرض } [الأرض: 67] أي: يبالغ في قهره الأعداء، وقذف الرعب في قلوبهم، ورسوخ أمر الدين في قلوب المؤمنين، فأما أخذ الفداء كان لرغبة بعضكم في الدنيا بعد أن شاوركم فيه بأمر الله تعالى إذ أمره بقوله:
وشاورهم في الأمر
[آل عمران: 159] فرغب أكثركم فيه.
والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى: { تريدون عرض الدنيا } [الأنفال: 67] خاطب به القوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وبه يشير: أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلا إلى الدنيا راغبا فيها بالطبع، { والله يريد الآخرة } [الأنفال: 67] يعني: والذي يريد الآخرة منكم ليس سجيته وطبعه، وإنما هو من توفيق الله إياه وتأثير نظر عنايته ورحمته إلى قلبه ونفسه، فإن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، { والله عزيز } [الأنفال: 67] لا ينظر بنظر العناية إلا الجاهل العزة، { حكيم } [الأنفال: 67] فيمن يعزه بنظر العناية، وفيمن يذله بالسخط والخذلان، { لولا كتاب من الله سبق } [الأنفال: 68] بالبقاء على هؤلاء الأسارى ليؤمن بعضهم ويؤمن أولاد بعضهم وذراريهم، { لمسكم فيمآ أخذتم } [الأنفال: 68] من الغنائم وملتم إلى الدنيا وأخذتم جعلا على الجهاد في سبيل الله، { عذاب عظيم } [الأنفال: 68] بأن يجعل جهادكم في سبيل الدنيا، ويخرجكم عن ثوابه في الآخرة بل يعاقبكم عليه، { فكلوا مما غنمتم حلالا } [الأنفال: 69] بأن تجعلوه في عدة الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر.
{ طيبا } [الأنفال: 69] أي: طيبا به نفوسكم في الإنفاق طيبا عن لون محبته وتعلقه بقلوبكم، { واتقوا الله } [الأنفال: 69] أي: اتقوا بالله عما سواه، { إن الله غفور } [الأنفال: 69] يغفر بأنوار جوده ظلمات وجودكم، { رحيم } [الأنفال: 69] بكم فيما يفنيكم عنكم ويبقيكم به.
[8.70-72]
ثم يخبر عمن حكمة استبقاء الأسارى بقوله تعالى: { يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى } [الأنفال: 70] يشير إلى النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عند استيلاء سلطان الذكر عليها والظفر؛ يعني: قل لها: { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا } [الأنفال: 70] من الاطمئنان على ذكر الله والعبودية والانقياد تحت أحكامه، { يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم } [الأنفال: 70] يعني: إن أخذ منكم شهوات الدنيا ونعيمها وزينتها يبدلكم الله نعيم الجنة ودرجاتها وهي خير منها؛ لأن الدنيا ونعيمها فانية والجنة ونعيمها باقية، { ويغفر لكم } [الأنفال: 70] يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته، { والله غفور } [الأنفال: 70] ساتر بأنوار صفاته لمن طلب ستره، { رحيم } [الأنفال: 70] بهم بأن رحمهم يستر الوجود من أنوار الشهود، { وإن يريدوا خيانتك } [الأنفال: 71] يعني: إن سامحت النفوس المأمورة في إطلاقها عن إشرافها على بعض شهواتها المشروعة فتريد خيانتك؛ أي: التجاوز عن حد الشريعة أو الطريقة، { فقد خانوا الله من قبل } [الأنفال: 71] بالتجاوز عن الشريعة أو الطريقة، { فأمكن منهم } [الأنفال: 71] عند استيلاء الذكر عليها والمجاهدة، فجاهدها بملازمة الذكر ونفي الشهوات عنها، { والله عليم } [الأنفال: 71] بأحوالها، { حكيم } [الأنفال: 71] فيما دبره من أمر جهادها وتزكيتها عن أوصافه الذميمة.
ثم أخبر عن أهل الجهاد بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا وهاجروا } [الأنفال: 72] إلى آخر السورة، الإشارة: { إن الذين آمنوا } بأن طلب الله حق وواجب وهاجروا غير الله، فهاجروا عن أفعالهم القبيحة الطبيعية إلى الأفعال الحسنة الشرعية، وعن أوصافهم الذميمة إلى الأخلاق الحميدة، وعن وجودهم المجازي إلى الوجود الحقيقي، { وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم } [الأنفال: 72] ببذلها، { في سبيل الله } [الأنفال: 72] أي: في طلب الحق وترك كل باطل هو غير الحق، { والذين ءاووا } [الأنفال: 72] ذكر الله ومحبته وصدق طلبه في القلوب، { ونصروا } [الأنفال: 72] المحنة بالذكر الدائم والطلب القائم، { أولئك بعضهم أوليآء بعض } [الأنفال: 72] في المرافقة والموافقة والطلب والسير إلى الله، { والذين آمنوا } [الأنفال: 72] بأن الطلب حق، { ولم يهاجروا } [الأنفال: 72] عن أفعالهم وأوصافهم ووجودهم المجازي، { ما لكم } [الأنفال: 72] أيها الطالبون الصادقون: { من ولايتهم من شيء } [الأنفال: 72] من موالاتهم ومخاطبتهم.
{ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين } [الأنفال: 72] أي: وإن استمردوكم في طلب الدين، { فعليكم النصر } [الأنفال: 72] أي: الهداية ليتحقق عندهم وجوب الطلب؛ يعني: الذين آمنوا بالطلب ولم يهاجروا من أوصافهم بعد، فإن جاءوكم واستعانوا بكم في الطلب وتمسكوا بأذيال الوصال منكم فعليكم أن تدلوهم طريق الحق بمعاملتكم وسيركم؛ ليقتدوا بكم بأحوالكم، { إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } [الأنفال: 72] يعني: إلا على بعض أحوالكم مما صالحتم نفوسكم بعدما جاهدتموها وأسرتموها سرا فلا تدلوا الطلاب على هذه الأحوال فإنهم بعد في بدء أمر الجهاد لا يصلح لهم الاطلاع على مصالحة الواصلين مع نفوسهم ليميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد والقتال مع النفوس، { والله بما تعملون } [الأنفال: 72] من الصلح والجهاد، { بصير } [الأنفال: 72] يسلم الصلح للواصلين دون المجاهدين الطالبين.
صفحه نامشخص