تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
إن الله كان من الأزل إلى الأبد غفورا لمن يشاء رحيما لمن يشاء.
وبقوله: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم } [الأحزاب: 25] يشير إلى كفار النفس والشيطان والدنيا وردهم عن القلوب المنورة بنور الإيمان ومنهم غيظهم { لم ينالوا خيرا } [الأحزاب: 25] أي مرادا { وكفى الله المؤمنين القتال } [الأحزاب: 25] بريح القهر إذ هبت على النفوس فأبطلت شهواتها وعلى الشيطان فردت كيده على الدنيا فأزالت زينتها { وكان الله قويا } [الأحزاب: 25] في إبطال الباطل وتحقيق الحق { عزيزا } [الأحزاب: 25] لا مانع له عما يشاء.
[33.26-30]
{ وأنزل الذين ظاهروهم } [الأحزاب: 26] أي: أعانوا للنفس والشيطان والدنيا على القلوب { من أهل الكتاب } [الأحزاب: 26] وهم العلماء المداهنون بفنون الرخص لا عزائم الطلب ويغرونهم التجريد والمجاهدة وترك الدنيا والعزلة والانقطاع، ويقولون: هذه رهبانية وليست ومن ديننا ويتمسكون بآيات وأخبار لها ظاهر وباطن، فيأخذون بظاهرها ويبطلون ويضيعون باطنها، ولا يعلمون أن القرآن يفسر بعضه بعضا فيؤمنون ببعض هو على وفق طباعهم ويكفرون ببعض هو على خلاف طباعهم، أولئك أعوان النفوس والشياطين.
{ من صياصيهم } وإنزالهم بأن الله تعالى ينور قلوب أرباب الطلب بنور الإيقان والعرفان؛ ليتحقق عندهم جهل هؤلاء العلماء السوء وينزل وقعهم ووقارهم في نظر أهل التحقيق { من صياصيهم } أي: من حصون تكبرهم وتجبرهم وغرورهم وحسبانهم عند أهل النظر، وأيضا أنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب؛ لئلا يفتنون بهم ويغتروا عن صدق طلبهم { وقذف } [الأحزاب: 26] بنور قلبهم { في قلوبهم } [الأحزاب: 26] النفوس والشياطين { الرعب } [الأحزاب: 26] ليتفرقوا عن تسويلات أرباب الطلب { فريقا تقتلون } [الأحزاب: 26] وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه { وتأسرون فريقا } [الأحزاب: 26] وهم الدنيا وجاهها ومالها.
{ وأورثكم } [الأحزاب: 27] يا أرباب الحق { أرضهم وديارهم وأموالهم } [الأحزاب: 27] لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة وبقوله: { وأرضا لم تطئوها } [الأحزاب: 27] يشير إلى مقامات وكمالات لم يبلغوها باستعمال الدنيا، وما فيها أمر استعمالها فيه وكان الله على توفيق استعمال كل شيء من الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها في طلب الحق قديرا.
ثم أخبر عن طالب الدنيا أنه تارك العقبى والمولى بقوله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا } [الأحزاب: 28] موجب للمفارقة عن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه مع أنهن محال النطفة الإنسانية في عالم الصورة ليعلم أن حب الدنيا وزينتها آكد في إيجاب المفارقة عن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ لأن أرحام قلوبهم محل النطفة الروحانية الربانية، فينبغي أن يكون أطيب وأزكى لاستحقاق تلك النطفة الشريفة، فإن الطيبات للطيبين وبقوله: { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما } [الأحزاب: 29] يشير إلى أن محبة الله ورسوله والدار الآخرة موجبة الاتصال إلى النبي صلى الله عليه وسلم والوصلة إلى الله عز وجل إن كانت خالصة من دون الله، فإن كانت مشوبة بنعيم الجنة فله نعيم الجنة بقدر شوب محبة الله محبة النعيم، وله من الأجر العظيم بحسب محبة الله، فإن قال قائل: فلما تحقق أن محبة الله إذا كانت مشوبة بمحبة غير الله يوجب النقص من الأجر العظيم فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم توجب النقص من الأجر العظيم، قلنا: لا يوجب النقص من الأجر العظيم بل تزيد فيه لأن من أحب النبي صلى الله عليه وسلم فقد أحب الله كما أن من يطع الرسول فقد أطاع الله والفرق بين محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبة الجنة أن محبته بالحق دون الحظ ومحبة الجنة بالحظ دون الحق، فإن الجنة حظ النفس كما قال تعالى:
ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم
[فصلت: 31] ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ومتابعته مؤدية إلى محبة الله للعبد لقوله:
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
صفحه نامشخص