تاريخ بخاری
تاريخ بخارى / تعريب
يقول أحمد بن نصر إن محمدا بن جعفر روى هذا الفصل فى كتابه ولكن رواه ناقصا وروى إبرهيم صاحب أخبار المقنع ومحمد بن جرير الطبرى «2» أن المقنع كان رجلا من أهل رستاق مرو «3» من قرية يقال لها «كازه» وكان اسمه هاشم ابن حكيم وكان يشتغل أول أمره بالقصارة «4» ثم اشتغل بتعليم العلم وحصل علوما من كل نوع وتعلم الشعبذة وعلم النيرنجات والطلسمات، وحذق الشعبذة وكان يدعى النبوة أيضا، وقضى عليه المهدى بن المنصور «5» فى سنة مائة وسبع وستين هجرية (783 م) «6». وقد تعلم النيرنجات وكان فى غاية الذكاء. قرأ كتبا كثيرة من علوم الأولين وصار بارعا للغاية فى السحر، وكان اسم أبيه حكيما، وكان قائدا من قواد أمير خراسان فى زمان أبى جعفر الدوانقى ومن أهل بلخ، وسمى المقنع لأنه كان يغطى رأسه ووجهه إذ كان فى غاية القبح، وكان رأسه أصلع وإحدى عينيه عوراء وكان دائما يضع على رأسه ووجهه قناعا أخضر «7». وكان هذا المقنع فى أيام أبى مسلم صاحب الدعوة قائدا من قواد خراسان وصار وزيرا لعبد الجبار الأزدى «1» وادعى النبوة وظل هكذا مدة. وأرسل إليه أبو جعفر الدوانقى شخصا وحمله من مرو إلى بغداد، وسجنه سنوات. ولما أطلق سراحه بعد ذلك عاد إلى مرو وجمع الناس وقال: أتعلمون من أنا؟ قالوا: أنت هاشم بن حكيم. فقال أخطأتم! أنا إلهكم وإله العالم أجمع [ترب فوه «2»] وقال أنا أدعو نفسى بأى اسم أريد، ثم قال أنا الذى أظهرت نفسى للخلق بصورة آدم ثم بصورة نوح ثم بصورة إبرهيم ثم بصورة موسى ثم بصورة عيسى ثم بصورة محمد- صلى الله عليه وسلم-، ثم بصورة أبى مسلم ثم بهذه الصورة التى ترون. وقال الناس: لقد ادعى الآخرون النبوة وأنت تدعى الألوهية. فقال: هم نفسانيون وأنا الروحانى الذى كنت فيهم ولى القدرة على إظهار نفسى بأى صورة أشاء. وكتب كتبا إلى كل ولاية وأعطاها لدعاته وكتب فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، من هاشم بن حكيم سيد السادات إلى فلان بن فلان، الحمد لله الذى لا إله إلا هو إله آدم ونوح وإبرهيم وعيسى وموسى ومحمد وأبى مسلم. ثم إن للمقنع القدرة والسلطان والعزة والبرهان، اتبعونى واعلموا أن الملك لى [عليه اللعنة]- ولى العزة والربوبية ولا إله غيرى [ترب فوه] وكل من يتبعنى له الجنة وكل من لا يتبعنى له النار» وأرسل دعاته إلى كل مكان وهو ما زال بمرو، وأضل كثيرا من الناس. وكان بمرو رجل من العرب اسمه عبد الله بن عمرو اتبعه وزوجه ابنته وعبر عبد الله هذا جيحون وجاء إلى نخشب وكش، وكان يدعو الخلق فى كل مكان إلى دين المقنع [عليه اللعنة ] وأضل أناسى كثيرا وكان أكثرهم فى كش ورستاق كش، وكانت أول قرية دخلت دين المقنع وأظهرت دينه قرية فى كش اسمها قرية «سوبخ» «1» وكان كبيرهم عمرو السوبخى «2» فخرجوا وقتلوا أميرهم وكان رجلا ورعا من العرب، وقد دخلت أغلب قرى السغد فى دين المقنع وكفر كثيرون من قرى بخارى وأعلنوا الكفر. وقد عظمت هذه الفتنة واشتد البلاء على المسلمين، فكانوا (أى أتباع المقنع) يقطعون الطريق على القوافل وينهبون القرى ويكثرون التخريب «3». وفشا خبر المقنع بخراسان، فأمر حميد بن قحطبة الذى كان أمير خراسان بالقبض عليه، ففر من قريته وظل مختفيا حتى تبين له أن خلقا عظيما بولاية ماوراء النهر قد اعتنقوا دينه وأظهروه فأراد عبور جيحون، وكان أمير خراسان قد أمر الحراس بتوقيفه على شاطئ جيحون وكان مائة فارس يصعدون شاطئ جيحون وينزلون باستمرار ليقبضوا عليه إذا عبر، فجاء إلى شاطئ جيحون فى ست وثلاثين شخصا وصنع طوفا وعبر جيحون وذهب إلى ولاية كش وأصبحت تلك الولاية تبعا له ومال الخلق إليه. وكان على جبل سام حصن فى غاية الاستحكام وبه ماء جار وأشجار وزروع، وحصن آخر أقوى من هذا، فأمر بتعميره وجمع هنالك أموالا كثيرة ونعما لا تحصى، وأقام الحراس وكثرت المبيضة وعجز المسلمون فى أمرهم وبلغ الخبر بغداد، وكان الخليفة فى ذلك الوقت المهدى «4»، فتضايق وبعث بعساكر كثيرة لحربه وأخيرا حضر هو نفسه إلى نيسابور «5» لدفع تلك الفتنة، وكان يخشى فساد الإسلام وانتشار دين المقنع فى العالم أجمع. ودعى المقنع الأتراك وأباح لهم دماء وأموال المسلمين. وجاء من التركستان عساكر كثيرة طمعا فى النهب ونهبوا الولايات وكانوا يأسرون نساء وأبناء المسلمين ويقتلونهم. وقد ظهر فى بخارى لأول مرة جماعة المبيضة الذين كانوا من مبايعى المقنع وذهبوا إلى قرية يقال لها «نمجكت «1»» ودخلوا المسجد ليلا وقتلوا المؤذن مع خمسة عشر شخصا وقضوا على أهل القرية جميعا وكان ذلك فى سنة تسع وخمسين ومائة (775 م).
وكان أمير بخارى حسين بن معاذ، وكان من أكابر طائفة المقنع رجل من أهل بخارى اسمه الحكيم أحمد، ومعه ثلاثة قواد آخرون اسم الأول «حشرى» والثانى «باغى» وكان هذان من «كوشك فضيل»، وكان اسم الثالث «كردك» من «غجدوان «2»»، وكان كل هؤلاء الثلاثة مبارزين وعيارين وعدائين وشطارا «3».
صفحه ۱۰۳