تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
ژانرها
وإضافة الغيب إلى السماوات والأرض وإن أمكن أن يكون في بعض الموارد إضافة من، فيفيد التبعيض لكن المورد وهو مقام إظهار تمام قدرته تعالى وإحاطته وعجز الملائكة ونقصهم يوجب كون إضافة الغيب إلى السماوات والأرض إضافة اللام، فيفيد أن الأسماء أمور غائبة عن العالم السماوي والأرضي، خارج محيط الكون، وإذا تأملت هذه الجهات أعني عموم الأسماء وكون مسمياتها أولي حياة وعلم وكونها غيب السماوات والأرض قضيت بانطباقها بالضرورة على ما أشير إليه في قوله تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم":، الحجر - 21، حيث أخبر سبحانه بأنه كل ما، يقع عليه اسم شيء فله عنده تعالى خزائن مخزونة باقية عنده غير نافدة، ولا مقدرة بقدر، ولا محدودة بحد، وأن القدر والحد في مرتبة الإنزال والخلق، وأن الكثرة التي في هذه الخزائن ليست من جنس الكثرة العددية الملازمة للتقدير والتحديد بل تعدد المراتب والدرجات، وسيجيء بعض الكلام فيها في سورة الحجر إن شاء الله تعالى.
فتحصل أن هؤلاء الذين عرضهم الله تعالى على الملائكة موجودات عالية محفوظة عند الله تعالى، محجوبة بحجب الغيب، أنزل الله سبحانه كل اسم في العالم بخيرها وبركتها واشتق كل ما في السماوات والأرض من نورها وبهائها، وأنهم على كثرتهم وتعددهم لا يتعددون تعدد الأفراد، ولا يتفاوتون تفاوت الأشخاص، وإنما يدور الأمر هناك مدار المراتب والدرجات ونزول الاسم من عند هؤلاء إنما هو بهذا القسم من النزول.
وقوله تعالى: وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وكان هذان القسمان من الغيب النسبي الذي هو بعض السماوات والأرض، ولذلك قوبل به قوله: أعلم غيب السموات والأرض، ليشمل قسمي الغيب أعني الخارج عن العالم الأرضي والسماوي وغير الخارج عنه.
وقوله تعالى: كنتم تكتمون، تقييد الكتمان بقوله: كنتم، مشعر بأن هناك أمرا مكتوما في خصوص آدم وجعل خلافته، ويمكن أن يستظهر ذلك من قوله تعالى في الآية التالية: "فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين".
فيظهر أن إبليس كان كافرا قبل ذلك الحين، وأن إباءه عن السجدة كان مرتبطا بذلك فقد كان أضمره هذا.
ويظهر بذلك أن سجدة الملائكة وإباء إبليس عنها كانت واقعة بين قوله تعالى: قال إني أعلم ما لا تعلمون وبين قوله: أعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون، ويظهر السر أيضا في تبديل قوله: إني أعلم ما لا تعلمون، ثانيا بقوله: إني أعلم غيب السموات والأرض.
بحث روائي
في تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام)، قال: ما علم الملائكة بقولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، لو لا أنهم قد كانوا رأوا من يفسد فيها ويسفك الدماء أقول: يمكن أن يشير بها إلى دورة في الأرض سابقة على دورة بني آدم هذه كما وردت فيه الأخبار ولا ينافي ذلك ما مر أن الملائكة فهمت ذلك من قوله تعالى: إني جاعل في الأرض خليفة، بل لا يتم الخبر بدون ذلك، وإلا كان هذا القول قياسا من الملائكة مذموما كقياس إبليس.
صفحه ۶۶