393

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

الذين هم على صلاتهم دآئمون

[المعارج:23] لان هذا الذكر والفكر صلاة حقيقية والصلاة القالبية صورة تلك الصلاة وقالت الصوفية: ينبغى للسالك ان يكون دائم الذكر والفكر وقيل بالفارسية: " خوشا آنان كه دائم درنمازند " واستمرار تلك المعية امر ممكن وان كان الناقصون من السلاك فى تعسر منه، فمعنى الآية يا ايها الذين أسلموا بالبيعة العامة النبوية اتقوا الله بالبيعة الخاصة الولوية وداوموا على الذكر المأخوذ من الصادقين ان لم تكونوا من اهل الفكر، او على الذكر والفكر ان كنتم من اهل الفكر، او يا ايها الذين آمنوا بالبيعة الخاصة الولوية اتقوا الله فى الانصراف عن طريق القلب وداوموا على الذكر والفكر.

[9.120]

{ ما كان } استيناف لتعليل الامر السابق والمعنى ما ينبغى { لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب } من اهل الشرق والغرب فان ما حول المدينة بالنسبة الى العوالم الاخر تمام الدنيا واهلها ما لم يدخلوا فى الاسلام اعراب كلهم وكذلك ما كان لاهل المدنية القلب والصدر المنشرح بالاسلام ومن حولهما { أن يتخلفوا عن رسول الله } الذى هو اصل فى الصدق، وصدق سائر الصادقين فرع صدقه { ولا يرغبوا بأنفسهم } بسبب محبة انفسهم او فى انفسهم او لا يرغبوا انفسهم على ان يكون الباء للتعدية { عن نفسه ذلك } اى عدم جواز التخلف والرغبة { بأنهم لا يصيبهم ظمأ } عطش { ولا نصب ولا مخمصة } مجاعة { في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا } من غلبة وقتل واسر ونهب { إلا كتب لهم به عمل صالح } يعنى سواء اصيبوا او اصابوا اثيبوا، وللفرق بين ما عليهم وما لهم اتى بقوله فى سبيل الله بين المتعاطفين كما ان توسط الاستثناء وتعليله بين المتعاطفات كان لذلك وللتأكيد بالتكرير { إن الله لا يضيع أجر المحسنين } يعنى انهم باتباعهم لرسول الله (ص) محسنون والله لا يضيع اجر المحسنين.

[9.121]

{ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب } ذلك { لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون } يعنى يكتب كلما عملوا لينظر اليها ويجزى كلها بازاء احسنها وليس المراد انه لا يجزى الا احسنها، ويجوز ان يراد هنا انهم يجزون بأحسن مما عملوا. اعلم، ان الانسان كما يكون فى الاستكمال بحسب بدنه من اول صباه يكون فى الاستكمال بحسب نفسه وكل فعل يصدر منه خيرا كان او شرا يحصل منه فعلية له، ولما كان واقعا بين عالمى الملائكة والشياطين، فان لم يتمكن فى احد العالمين لا يمكن الحكم عليه بكونه من اهل الرحمة او اهل العذاب من غير تقييد بشرط البقاء على الاسلام او الكفر، وكان بحسب العاقبة محكوما عليه بكونه مرجى لأمر الله وان لم يكن داخلا فى صنفهم، وان دخل فى احدهما وتمكن فيه صار جميع الفعليات الحاصلة له مسخرة لحاكم ذلك العالم اى العقل او الشيطان وصارت محكومة بحكم احسنها واسوئها، فان احسن الاعمال ما كان الفعلية الحاصلة منه مسخرة لعقل وأسوأها ما كان الفعلية الحاصلة منه مسخرة للشيطان، وغير هذين حسن وسيئ باعتبار قربهما الى العقل والشيطان فاذا صار الفعليات كلها مسخرة للعقل بسبب تمكن صاحبها فى اتباع الاخيار والانقياد لهم كان جزاء كل الاعمال سيئها وحسنها واحسنها بجزاء احسنها، واذا صارت مسخرة للشيطان كان الجزاء بالعكس، وايضا اذا صار الانسان متمكنا فى اتباع الابرار صار محبوبا لله بمنطوق فاتبعونى يحببكم الله واذا صار محبوبا لله صار كل اعماله محبوبة سيئها وحسنها كأحسنها فيجزى الكل بمثل أحسنها، واذا صار مبغوضا صار كل اعماله مبغوضة مثل اقبحها فيجزى بأسوء الذى كان يعمل من اول عمره، وقد حققنا فى موضع آخر ان اسماء الاشياء اسماء لفعلياتها الاخيرة واحكامها ايضا جارية على فعلياتها الاخيرة فمن كان فعليته الاخيرة فعلية الولاية كان جزاء جميع فعلياته جزاء فعليته الاخيرة وجاريا عليها.

[9.122]

{ وما كان المؤمنون لينفروا كآفة } جميعا عطف على ما كان لاهل المدينة واستدراك لما يتوهم من الآية السابقة من لزوم ملازمة النبى (ص) لجميع المؤمنين وعدم جواز التخلف عنه فى حال من الاحوال، مع امتناعه عادة لاختلال معيشتهم وعدم كفاية ما فى يد النبى (ص) بحاجتهم وضيق محله عن سكناهم، وكون الآية استداركا مبتن على تلازم العلم والعمل وان الغاية من جميع الاعمال حصول العلم، وحينئذ فوضع المؤمنين موضع ضمير اهل المدينة للاشارة الى ان ملازمة خدمة النبى (ص) واجبة لاهل الشرق والغرب ما لم يحصلوا الاسلام فاذا حصلوا الاسلام فليس عليهم الا خروج طائفة مستعدة لتلك الملازمة حتى يستكملوا بالعلم والعمل ويستحقوا الاذن فى ارشاد قومهم، واما اذا جعل الآية الاولى فى الجهاد والثانية فى تحصيل العلم فهى عطف من دون اعتبار استدراك { فلولا نفر } الى الجهاد او الى خدمة النبى (ص) او مشايخه لتحصيل العلم { من كل فرقة منهم طآئفة } مستعدون لاستكمال القوتين العلمية والعملية { ليتفقهوا في الدين } ليطلبوا الفقاهة او ليكملوها { ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم } بعد استكمالهم فى القوتين واذنهم فى الارشاد وتعليم العباد. اعلم، ان الفقه كما مر علم دينى يتوسل به الى علم آخر والمقصود العلوم العقلية الانسانية فان العلم الدينى هو العلم الانسانى العقلى عقليا كان او خياليا، لان الانسان بانسانيته طريق الى الآخرة وواقع فى الطريق وسائر عليه ، وحيث انه بانسانيته سالك على الطريق يكون علمه فى الاشتداد والازدياد دون العلم الخيالى الذى يحصل بتصرف الواهمة دون العقل سواء سمى عقليا او خياليا، فانه علم نفسى حيوانى موصل الى الملكوت السفلى صاد على طريق الآخرة وان كان صورته صورة علم الآخرة، فالفقه كما فى الصحيحة النبوية اما علم بالاحكام القالبية المسماة بالسنة القائمة ولا طريق اليها الا الوحى الآلهى لخفاء ارتباطها الى عالم الآخرة وخفاء كيفية ايصالها اليه، واختلافها باختلاف درجات المكلفين بها فهى لا تحصل الا بالاخذ والتقليد من نبى او ممن اخذها منه، واما علم بالنفس واخلاقها واحوالها وهى الفريضة العادلة، واما علم بالعقائد الحقة الدينية وهى الآيات المحكمات لكون كل منها آية وعلامة من الحق تعالى ومبدئيته ومرجعيته؛ هذا اذا جعل العقل ذلك وسيلة الى مقاصده الاخروية، واما اذا جعله الوهم وسيلة الى آماله الدنيوية ومآربه الحيوانية فلم يكن فقها ولا علما واشباه الناس سموه فقها وعلما، والمراد بالتفقه كمال الفقاهة سواء جعل الهيئة للمبالغة او غيرها لانه تعالى غياه بالانذار والمراد بالانذار ما يكون مؤثرا فى المنذر، ولا يكون الانذار مؤثرا فى المنذر الا اذا كان المنذر كاملا فى قوتيه العلمية والعملية، والا فلفظ الانذار كثيرا ما يجرى على لسان غير المتفقه كانذار خلفاء الجور وعلماءهم وقصاصهم ووعاظهم، الذين كانوا يأمرون ولا يأتمرون وينهون ولا ينتهون ويعظون ولا يتعظون ولم يحصل من ذلك الا وبال اتمام الحجة عليهم لا تأثر المخاطبين، ولخفاء كمال النفس فى هاتين القوتين على المتفقه وعلى غيره كانوا يحتاجون فى الانذار والامر والنهى الى الاذن والاجازة من الامام او نائبه وكانت سلسلة الاجازة منضبطة فى سلسلة العلماء الظاهرة والباطنة { لعلهم يحذرون } موبقات انفسهم وقد ورد فى تفسير قول النبى (ص):

" اختلاف امتى رحمة "

؛ انه اختلافهم من البلدان اليه (ص) او الى خلفائه (ع) للتفقه لا اختلافهم فى الدين حتى يكون اجتماعهم عذابا، ويمكن تصحيح ظاهره بان يكون المراد اختلافهم فى كيفية التكليف حيث ان كلا مكلف على قدر مرتبته كما قيل: حسنات الابرار سيئات المقربين، وقد ورد فى تعميم الآية انه يجرى فى النفر بعد وفاة الامام (ع) لتعيين الامام الذى يكون بعده ودرك خدمته وتجديد التوبة والبيعة معه، وقد فسرت ايضا هكذا، فلولا نفر من كل فرقة طائفة للجهاد واقام طائفة ليتفقه المقيمون.

صفحه نامشخص