373

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

[9.33]

{ هو الذي أرسل رسوله } اما استيناف منقطع عما سبق لابداء حكم آخر قطعا لاطماع المشركين فى ابطال رسالة محمد (ص) وعلى هذا فاضافة الرسول للعهد، واما استيناف فى موضع التعليل لقوله { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } اى رسالة رسوله وعلى هذا فاضافة الرسول (ص)، اما لتعريف الجنس وتعميمه او لتعريف العهد وفيه ايضا قطع لاطماع المشركين، والمراد بالرسول اما معنى عام للرسل (ع) واوصيائهم (ع) فانهم رسل من الله بواسطة الرسل، او معنى خاص بالرسل الاصطلاحية الذين اوحى اليهم بشرع وتبليغه، او المراد محمد (ص) وعلى التقديرين الاخيرين فالمقصود سراية الحكم الى اتباعهم او اتباعه، اما من باب الفرعية والتبعية واما لانهم اجزاء الرسل بحسب سعتهم الولوية واما لانهم مظاهر الرسل بحسب صدروهم وقلوبهم وعقولهم، فيصح تفسير الآية بخروج القائم عجل الله فرجه وانها مما لم يأت تأويلها وانه (ع) اذا ظهر ظهر على الاديان كلها { بالهدى } بما به الهدى وهو الاحكام القالبية الشرعية كما اشير الى تسمية الاسلام واحكامها بالهدى فى قوله تعالى:

بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان

[الحجرات:17] { ودين الحق } دين الحق هو طريق الحق وهو الولاية والايمان الخاص الحاصل بالبيعة الباطنة الولوية وبعبارة اخرى الهدى هو الاسلام ودين الحق هو الايمان وقد فسر دين الحق بولاية على (ع) فى اخبارنا، فعن الكاظم (ع) فى هذه الآية والآية السابقة: هو الذى امر رسوله بالولاية لوصيه والولاية هى دين الحق ليظهره على جميع الاديان عند قيام القائم (ع) والله متم ولاية القائم ولو كره الكافرون بولاية على (ع) قيل: هذا تنزيل؟ - قال: نعم هذا الحرف تنزيل واما غيره فتأويل { ليظهره على الدين كله } اتى بالمفرد المستغرق بقرينة التأكيد بالكل دون الجمع روما للاختصار واشعارا بان الاديان الباطلة مع كثرتها ونهاية فرقتها متحدة فى الغاية وهى الانتهاء الى السجين والملكوت السفلى { ولو كره المشركون } بالله او بالرسالة او بالولاية.

[9.34]

{ يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل } اتى بالنداء ومؤكدات الجملة من ان واللام واسمية الجملة اما للاشعار بأن شأنهم التحفظ عن اموال الناس بحيث ينبغى ان ينكر هذا منهم او يردد فى وقوعه منهم حتى يكون ابلغ فى الذم والتفضيح، او لتأكيد لازم الحكم الذى هو المقصود منه من ذمهم وتفضيحهم وتنفير الناس منهم ومن اقوالهم { ويصدون عن سبيل الله } عن النبى (ص) او عن الولى (ع) والمقصود التعريض بأمة محمد (ص) ومن يأتى بعده بصورة الاحبار والرهبان من المتسمين بالعلماء والفقهاء بالصوفية والعرفاء الذين لا فقه لهم سوى ما يحصل به الاعراض والاغراض ولا معرفة لهم ولا تصوف سوى الدلق والحلق { والذين يكنزون الذهب والفضة } اما عطف على ليأكلون ووجه حسنه مع الاختلاف بالاسمية والفعلية الاشعار بان الذين يكنزون الذهب مشهور ذمهم بحيث لا ينكر وان الاحبار والرهبان هم الذين يكنزون وقد اشتهر ذمهم فلا تبالوا بقولهم، واما عطف على اسم ان عطف المفرد او عطف على جملة ان مع اسمها وخبرها بتقدير مبتدء او بتقدير خبر او مستأنف بجعل الذين مبتدء وقوله فبشرهم خبرا له وقد مر ان ما يسمونه واو الاستيناف هو واو العطف بلحاظ المعنى { ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } دخول الفاء فى الخبر على كونه خبرا لكون المبتدء فى معنى الشرط.

[9.35]

{ يوم يحمى } يوقد النار { عليها } على الذهب والفضة وضمير المؤنث باعتبار معنى الجمعية والكثرة فيهما { في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } ذكر تعالى اشرف الاجزاء واقواها اشارة الى شمول الكى او لانهم ارادوا بالكنز الوجاهة ونعامة فراش الجنبين والظهر مقولا لهم { هذا } الذى تكوون به { ما كنزتم } او هذا الكى غاية ما كنزتم وهو ضد ما اردتم { لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } اى وباله قد اختلف الاخبار فى حقيقة الكنز وفى قدر يصدق عليه الكنز وفى مال يصدق عليه وقد ذكرت الاخبار فى المفصلات، وتحقيق الحق فيه موافقا لاشارات الاخبار ان الانسان له مراتب كثيرة وحكمه وحاله فى كل مرتبة مخالف لحاله فى غيرها، مثلا الواقع فى جهنام النفس الذى لا يرى الخير الا ما اقتضته نفسه ولا يرى الا الاسباب وكان محجوبا عن الله وتسبيبه، فكلما جمع مالا لا يكون ذلك منه الا محض حب المال او محض الاتكال فى المعاش عليه مع عدم الوثوق بالله والتوكل عليه، وهذا المال منه كنز قليلا كان او كثيرا تحت الارض كان اوفوقها مؤدى زكوته او غير مؤدى، بل هو شرك بالله وكفر وصاحبه وثنى وذلك المال صنمه، وان توجه من جهنام النفس الى الملكوت العليا ولا محالة يكون منزجرا عن النفس وجهنامها لكنه ما لم يخرج منها يكون مقيدا مبتلى بمقتضياتها وسلاسل شهواتها، فان جمع فى حال التوجه والانزجار متوكلا به على الله مصداقا لما قيل فى مضمون الصحيحة النبوية: (مثنوى) " باتو كل زانوى اشتربيند " معينا به على خروجه وعلى معيشته لم يكن كنزا، لانه حينئذ يؤدى حقوقه الواجبة والمندوبة حيث يريد الخروج من تحت امر نفسه والدخول تحت امر ربه، وان جمع فى حال التقييد بالنفس ومشتهياتها ولا محالة يكون محجوبا من الله والتوكل عليه كان كنزا ادى حقوقه او لم يؤد، وان خرج من تلك الجهنام الى الجانب الايمن من طور الصدر كان له الحالتان ايضا لكن تقيده بسلاسل شهواتها يكون اضعف، وان خرج من بيت نفسه الخراب الى بيت قلبه المعمور فهو ايضا ذو وجهين وله الحالان، وان دخل بيت قلبه فقد دخل دار الامان وفى حقه قيل:

كف كيرد ملتى ملت شود

فميزان الكنز وعدمه حال الانسان لا حال المال وقدره، فالفقير المحب للدنيا مكتنز، والغنى المنزجر غير مكتنز، والكنز عبارة عن محبة الدنيا المدخرة فى بيت القلب اعتمادا عليها ووثوقا لها لا المال المكتنز تحت التراب.

صفحه نامشخص