تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
[9.29]
{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } بعد ما اظهر حكم المشركين واجلاءهم ومقاتلتهم بتاكيد وتغليظ بين حكم اهل الكتاب ولم يصدره بالنداء اشارة الى التفاوت بينهم وبين المشركين فى التغليظ { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب } لفظ من للتبعيض { حتى يعطوا الجزية } ما يقرر ويقضى من جزى دينه اذا قضاه { عن يد } عن قوة وبطش منكم وهذا مثل سائر فى العرب والعجم يقول العاجز الذليل تحت يد غيره: افرعن يده، كما يقول العجم " فرار كردم از دست فلانكس " وهذا المعنى هو المناسب للمقام ولتنكير لفظ اليد، وقد ذكر له معان اخر مثل: منقادين، وعن غنى، وعن انعام، وعن يدهم لا يد غيرهم { وهم صاغرون } اذلاء وحكم الجزية واهلها مذكور فى المفصلات من التفاسير والكتب الفقهية.
[9.30]
{ وقالت اليهود } اما استيناف على القول بمجيء الواو للاستيناف، او عطف باعتبار المعنى فان تعليق الامر بالمقاتلة على الموصول للاشعار بعلة الحكم فكأنه قال: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله من جهة انهم لم يؤمنوا وقالوا { عزير ابن الله } ووضع الظاهر موضع المضمر لارادة التفصيل وتعيين قائل كل قول، اعلم، ان القائلين عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، ونحن ابناء الله، لم يريدوا بتلك الكلمة ما يفهم منها بحسب الظاهر من التوليد والتجسيم واثبات الزوج لله بل ارادوا بيان النسبة الروحانية بهذه الكلمة وقالوا من حصل له القرب من الله بحيث يأخذ الاحكام والآداب منه تعالى بلا وساطة بشر فهو ابن الله، وكذا من انتسب الى الله بواسطة الاتصال بنبى او ولى فهو ابن الله بيانا لشدة القرب او لصحة الانتساب ولا شك فى صحة هذا المعنى، ولكنها ممنوعة فى حقه تعالى لايهامها معناها الظاهر والتجسيم والتوليد كما حمل الاتباع هذه الكلمة على ظاهرها وقالوها بمعناها الظاهر، ولا شك ان معناها الظاهر كفر وفرية، ولهذا حكاها تعالى شأنه عنهم ذما لهم { وقالت النصارى المسيح ابن الله } نقل انه كان يقول: وان ابى يقول كذا، وثبت هذا المعنى فى الانجيل { ذلك قولهم بأفواههم } لا اعتقاد لهم به بأى معنى كان فان الاعتقاد بهذا المعنى يقتضى العمل بمقتضاه وهو عدم التخلف عن قول من نسبوه بالنبوه الى الله وليس كذلك مثل قوله تعالى
يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم
[آل عمران:167] { يضاهئون قول الذين كفروا } اى يضاهى قولهم قول الذين كفروا، بحذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه، المضاهاة فى عدم كون قول كل عن اصل وعدم موافقته للاعتقاد وكون كل ناشئا من محض التخيل من غير حجة عليه كقول المجنون، والمراد بالذين كفروا { من قبل } اما اليهود على ان يكون المراد بهم النصارى، او مطلق الكفار { قاتلهم الله } باعدهم الله ولعنهم وكثيرا ما يستعمل فى هذا المعنى فى العرف، ونقل عن على (ع) انه بمعنى لعنهم الله { أنى يؤفكون } عن الحق.
[9.31]
{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم } قد مضى ان الاحبار علماء الملة والرهبان علماء الدين والطريقة { أربابا من دون الله } يطلق الرب على المطاع وهو الرب فى الطاعة، وعلى المعبود وهو الرب فى العبادة، وعلى المدبر فى الوجود وهو الرب فى الوجود وبقائه، وعلى الخالق وهو الرب فى الايجاد والمقصود من الرب ههنا هو الرب فى الطاعة حيث قالوا لهم: هذا حلال وهذا حرام، وهذا من التوراة والانجيل، فسمعوا منهم من غير حجة، والناس غير العلماء الآلهيين منهم لا بد لهم من رب بشرى يطيعونه لعدم بصيرتهم بأمر دينهم وبأمر دنياهم على وجه لا يضرهم فى عقباهم وذلك الرب المطاع اما منصوب من الله فقوله قول من الله وقول الله، وطاعته طاعة الله، وربوبيته ربوبية الله، واما غير منصوب من الله فهو غير الله وهو ناش من غير الله وطاعته غير طاعة الله فقوله من دون الله تقييد للارباب يعنى اربابا ناشين من دون الله من حيث ربوبيتهم، او اربابا هم بعض من غير الله على ان يكون من للابتداء او للتبعيض { والمسيح ابن مريم } عطف على احبارهم يعنى اتخذوا المسيح بن مريم ربا فى العبادة ولذا جاء به بعد تمام حكم المعطوف عليه واخره عن الاحبار ليكون ترقيا الى الابلغ فى الذم، ان قلت: ان المسيح منصوب من الله فهو رب من الله ولاذم فى اتخاذه ربا؟! فالجواب ان ربوبيته فى الطاعة من حيث انه من الله ممدوحة واما ربوبيته فى العبادة كما تفهم من قولهم انه آله او انه ابن الله، او انه ثالث ثلاثة وكذا ربوبيته فى الطاعة من حيث انه مستقل فى الربوبية فهى مذمومة واشراك بالله { ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا } غير مركب فى ذاته وغير متعدد فى الوجود فطاعة الرسل ان كانت من حيث انهم رسل الله طاعة الله وطاعتهم لا من تلك الحيثية ليست طاعة الله { لا إله إلا هو } صفة بعد صفة او حال او مستأنف والمقصود منه حصر الآلهة فيه كأنه قال: { ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا } محصورا فيه الآلهة { سبحانه عما يشركون } فى الطاعة والولاية كاشراك الاحبار والرهبان او فى الطاعة والعبادة والآلهة جميعا كاشراك المسيح وهو تعريض بالامة حيث اشركوا فى الولاية والطاعة من لم ينصبه الله وللاشارة الى التعريض قال تعالى { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم }.
[9.32]
{ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } بالمضارع والا فالمناسب لحال اليهود والنصارى ان يقول: ارادوا مثل اتخذوا بالماضى والمراد بنور الله على (ع) فانها نور يظهر به الحق ويتميز به السعيد عن الشقى، والمراد بالاطفاء بالافواه القاء الشبهات والاحاديث الموضوعات والتحريف فى الكتاب للتدليس على الجهال شبه ذلك بالنفخ فى السراج وفى الاخبار ما يدل على التعريض المذكور { ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون } بالله وبالرسالة بحسب التنزيل او بالولاية بحسب المراد.
صفحه نامشخص