تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
وقيل معناه: " وأنتم تعلمون البعث والجزاء ".
وقيل معناه: " وأنتم تعلمون ما أنزل وسينزل ممن كذب على الله تعالى ". وقيل معناه: " وأنتم تعلمون ما نزل ببني إسرائيل من المسخ وغيره ".
والآية دالة على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره، ويحرم عليه كتمانه.
فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هؤلاء عارفين بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله)، وذلك مبني على معرفة الله تعالى؟ وعندكم: إن من عرف الله لا يجوز أن يكفر. وهؤلاء صاروا كفارا وماتوا على كفرهم؟
قلت: للعلم مراتب: الظن، واليقين، والمشاهدة. والعلم الذي هو منشأ السعادة الأخروية، والخلاص من العقاب الدائم هو اليقين الحاصل من البرهان الضروري الدائم، وهو بذر المشاهدة الباطنية الدائمة، وأما الظن فلا يغني من الحق شيئا. ولكن يكفي لصحة العمل، وابلاغ الحجة. فلا يمتنع أن يكونوا عارفين بالله وبالتوراة وبصفات النبي (صلى الله عليه وآله) على وجه لا يستحق به الثواب، لأن الثواب مترتب على العلم إذا عمل بمقتضاه.
وعند بعض أصحابنا، القائلين بالموافاة، إن استحقاقهم الثواب على إيمانهم مشروط بالموافاة، فإذا لم يوافوا بالإيمان لم يستحقوا الثواب. فعلى هذا يجوز أن يكونوا عارفين، وأن يكونوا مستحقين للثواب، لابطالهم ذلك بالكفر. والمعتمد هو الأول.
فصل
في ترهيب علماء السوء
قال الإمام الرازي في التفسير الكبير: " هذا الخطاب - وإن ورد فيهم - فهو تنبيه لسائر الخلق، وتحذير من مثله، فصار الخطاب وإن كان خاصا في الصورة فإنه عام في المعنى: انتهى قوله.
واعلم أن أكثر من يوجد فيه تلبيس الحق بالباطل، أو كتمانه من العلماء هم الفقهاء، الذين غلبت على أنفسهم الأهواء، كحب الجاه، والتقرب من الملوك والسلاطين، وطلب المال. فإنهم لما غلبت عليهم الأهواء، وطلب المراتب عند الملوك تركوا المحجة البيضاء، وجنحوا إلى التأويلات البعيدة، ليمشوا بها أغراض الملوك، وأعراضهم فيما لهم فيه هوى نفس، ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي، مع كون الفقيه ربما لا يعتقد ذلك ويفتي به.
صفحه نامشخص